أحسن الله إليكم يقول السائل: أنا أفكر دائمًا في عذاب الله وعذاب القبر وأخاف أنَّ الله سبحانه لا يغفر لي، ولهذا السبب لا أنام في الليل وهذا يُسيء في عبادتي يوميًا، انصحوني بارك الله فيكم.
يا بني، يظهر لي من سؤالك أنَّك اعتمدت على الخوف، وأهملت جانب الرَّجاء، ومما نحفظه عن علمائنا أن الاعتماد على الخوف وحده مهلكة،لأن نهايته اليأس من رحمة الله، كما أنَّ الاعتماد على الرجاء وحده مهلكة، لأنَّ نهايته إيصال العبد إلى الاتكال على رحمة الله، وخيرُ ما يَتَسَحُ بهِ العَبد وَيَتزوّدُ بهِ الجمعُ بين الخوفِ والرجاء، وذلك لأنَّ الخوفَ يَردَعهُ عن محارِم الله ومَسَاخِطهِ، والرَّجاء يُطمِعهُ في رحمة الله، فيكونُ المرءُ خائِفًا راجيًا، وأسمع قالَ تعالى، نعم هاتوا الآية:
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾[ الزمر: من الآية 9]، انظُر هؤلاء الذينَ مدحَهُم الله، لماذا؟ لأنَّ الذي حَمَلُهُم على هذه المَيِّزَة العظيمة التي يَغفُل عنها كثيرٌ من النَّاس إلا من رحم الله القُنوت والقيام، سجود وقيام وقنوت، قيام في طاعة الله، مالذي حَمَلُهُم؟ جَمْعُهم بين الخوفِ والرَجاء ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ثُمَّ خَتَمَ الآية بما يُهيّجُ على سلوكِ هذا المَسَلك، ابتغاء ما عند الله- عَزَّ وجل- ماذا؟
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ الزمر: من الآية 9]، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ الزمر: من الآية9]، فالثَّناء جاءَهُم أولًا: من هذه الخِصِّيصَة التي حَمَلُهُم عَليها وَهَيَّجهم عليها الجمعُ بين الخوف والرجاء.
الثانية: أنهُم عَلِموا مَا لم يَعلَمهُ غَيرُهُم مِن فَضِل هَذه السَاعة المُباركة في آخِرُ الليل، وفيها ينزِلُ الرحمن سبحانهُ وتعالى- كما صحَّ عن النبي- صلى الله عليه وَسَلم- للسماءِ الدنيا، صحَّ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنَّ اللهَ- عَزَّ وَجَل- ينزِلُ في الثُلُث الأخير من الليل، وفي بعض الروايات شَطرَهُ وبعضها نِصفهُ، فيُنادي عِباده يَا عِبَادِيَ هَل من تائِب فأتوبَ عليه، هل من مُستَغفِر فأغفِرَ له، هل من سائِلٍ فأُعطيَّه، الحديث، نعم، ثُمَّ أنَّهم تَذَكروا والذِّكر هُنا يشملُ العِلم، وَيشَملُ الجمعُ بين الخوف والرَّجاء، ويشمل الإستعداد للآخرة بالأعمال الصالِحة، فلا تُهمِل الخوفَ يا بُنيّ، والخوفُ قِسمان، قِسمٌ محمودٌ ، وهو الذي يُوصِلُ العبد إلى الكَفِّ عن معاصي الله- سُبحانهُ وتعالى- ويَحجزهُ عنها، والمذموم هوَ الخوف المُفرِط الذي يجعلُ المرءَ يُوسوسُ حتى في عبادتهِ ويُهمِلُ الرَّجاء، فاجمع بينهما باركَ اللهُ فيك.