الشيخ: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، وأشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له؛ إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أن محمدًا عبدهُ ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابهِ وسلم تسليمًا مزيدًا.
أما بعد.
فإلى قراءة اليوم وهي بقيَّةُ أحاديث من (بابٌ أَفْضَلُ الصِّيَامِ وَغيره) تفضَّل.
القارئ: بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد.
فاللهم اغفر لنا ولوالدينا ولشيخنا والسامعين.
المسألة الثالثة في هذا الباب.
قال الحافظ أبو محمد عبد الغني المقدسي في كتابه (عُمْدَة الأَحْكامِ): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بِثَلاثٍ : صِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ , وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى , وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ .
الشيخ: هذا الحديث فيه:
أولًا: تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم- (بالخليل) كما قال أبو هُريرة -رضي الله عنه- (أَوْصَانِي خَلِيلِي)، فالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-هو خليلُ كل مسلم، أما هو نفسه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليس له خليلٌ من أُمَّته، كما في الحديث الصحيح (إِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَكُونَ لِي مِنْكُمْ خَلِيلٌ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا)، وما قاله أبو هُريرة كما سمعتم في هذا الحديث، هو شائعٌ وذائعٌ عن الصَّحابة - رضي الله عنهم-، فَهُمْ يصفونه بالرسالة وبالنبّوة وبأنه خليلهم.
فالخُلَّةُ في اللغة: من تخَلُّل المحبةِ القلب، وما أحدٌ من المسلمين يُحِبُّ أحدًا فوق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، بل يجبُ على كل مسلمٍ ومسلمة أن يكون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أحب إليهم من أنفُسِهم وأموالهم وأولادهم.
كما صحَّ بذلكم عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنه قال: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، فمحبته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتقديمها على جميع المحابّ هي من محبة الله - سبحانه وتعالى- كما في الصحيحين: عن أنس - رضي الله عنه- قال: عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال : ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا) الحديث، هذاأولًا.
وثانيًا: في قول أبي هُريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ((بِصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ)) هذِهِ أَولُ وَصايا رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -لِصَاحِبِهِ أَبي هُريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الذيّ مَنّ اللهُ عليهِ بِحِفظِ أَكثَر مِن خَمسَةِ آلافِ حَدِيثَ، فِي الصَحِيحَينِ وَغَيرِهِما، فَمَنْ طَعنَ فِي أَبِي هُريرةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مِن الرَوافِضِ والبَاطِنية وَغَيرِهم فقَدَ نَسفَ على الأُمة هذا القَدر مِن السُّنة، وَمِنها ما هوَ في أُصولِ الدين ومِنها ما هوَ في فُروعه، فَكيفَ بِمن يَطعنُ في جَميعِ الصَحابة، -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَ - مِن الخَوارِج وَالنَواصِب والرَوافِض، فَإِنهُ يَنسِفُ السُّنةَ كُلَها، ولا يُبقي شَيئًا مِنها للنّاس، إِلا القُرآن، والسُّنةُ وَحيُ الله إِلى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهيَ تُفَسِّرُ القُرآن، بِبيانِ مُجمَلِهِ وَتُقييدِ مُطلَقِه وَتَخصِيصِ عُمومِه، وقَد تَنسَخُه، كما أَنها تَدُلُّ على ما يَدُلُّ عَليهِ القُرآن، وَتُعَبِّر عما يُعَبِرُ عنه القُرآن، فَكِلاهُما وَحيُ اللهِ إِلى رَسُولِهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ولِهذا فَإِن أئِمة العِلمِ والدّينِ والإِيمان، يَقبَلونَ كُلَ ما جَاءَت بِهِ السُّنة الصَحيحة عَنْ النَبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسواءً كَانْ هَذا الذّي جَاءَت بِهِ السُّنة هوَ في القُرآن، أَو انفَرَدت بِهِ السُّنة، وَقَد بَسطنا هذِهِ المَسأَلة في غَيرِ هذهِ الجَلسة، فليُراجِعهُ مَن شاءَ.
فَثلاثةُ أَيام هُنا مُطلَقة، ثلاثة أَيام مِن كُلِ شَهر، سواءً كانت مُتَفَرِقة أَو مُتتابِعة، أَو كانت في أَول الشَهر، أَو في أَوسَطِه، وَقد صَحَ عَن النَبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنهُ كانوا يَقولون: (( يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لا يَصُومُ))، وهذا مِن التَوسِعةِ عَلى الأُمَّةِ.
وإِنْ قالَ قائِل: كيفَ تَصنَعونَ بالأَحاديث التي نَصَّت على صِيَام البِيّضَ وهي الثالث عَشر والرابِع عشر والخامس عَشر.
والجواب لا مُعارضَةَ بينَ النَّصيبن، وَ يُمكن الجَمع بِأَن تَخصيص أَو التَنصيص على الأَيام البيض لأَنها أَفضَلُها، والحَاصِلُ أَنهُ لِكلِ مُسلِمٍ ومُسلِمة أَنْ يَصوم ثَلاثَةَ أَيام مِن كُلِ شَهر سواءً كانت البيض أَو مُطلَقة، كما ذَكرناهُ آنِفَا، وهذا العُموم يُستَثنى مِنه صيامُ يوم النَحر وَ أَيامُ التَشريق، أَمَّا يَومُ النَّحر فَليسَ فِيهِ استِثناءَ، النَهي عَنْ صَومَ يَومَ النَّحر ليس فيهِ استِثناءَ، وأما صِيامُ أَيامُ التَشريق فَإِنَه رُخِّصَ لمن كان عليهِ دم هدي؛ قِران أَو مُتعة وَ لَم يَجِدهُ فَلَهُ أَن يَصوم أَيام التَشريق، وَهي الحادي عَشر والثاني عَشر والثالِث عَشر مِن شَهرِ ذيِ الحِجة.
وأَما المُقيم فَليسَ لَهُ أَن يَصُومَها أَبَدًا، وَهذا الحَديث وهذا صَحَ عَن ابن عُمر وَعائِشة - رضي الله عنهما- فَإِن النَبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَم يُرَخص في صِيامِ أَيامِ التَشريق إِلا لمن لم يَجد الهدي سواء كان هدي قِران أو متعة، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهذا وقعَ فيهِ كثيرٌ من الناس المحبين لصيام البيض فينبهّون إلى أنهم يصومون أيامًا مكانها فيأخذون بحديث أبي هريرة قال: (أوصاني بصِيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ).
الوصيةُ الثانية: ركعتي الضحى، الضحى معروف، وبدايتهُ حين ترتفع الشمس قيد رُمح أو رُمحين فمسافة الارتفاع تُقدّرُ بمترين أو زيادة قليلًا، وآخرُ صلاة الضحى هي قبل الزوال بنحو عشر دقايق أوربع ساعة تقريبًا، وكلما أخرّ المُسلِم صلاة الضحى كان أفضل، وبدء صلاة الضحى، بدء وقتها بعد الفجر بساعة ونصف أوساعة وأربعين دقيقة أو خمس وأربعين دقيقة، الظاهر أنه يختلف، وكلما تأخر المُسلِم أو المسلمة في أداءِ ركعتي الضحى فهو أفضل، فمثلًا قبل الظهر بنصف ساعة أو خمس وأربعين دقيقة هذه صلاةُ الأوابين كما نصّ عليها - صلى الله عليه وسلم- وكان يأمرُ بها، ووقّتها - صلى الله عليه وسلم- بـ(حين تَرْمَضُ الفِصَال) وهي أولاد النوق، فإنَّ ولد الناقة الذي يُسمّيهِ العامّة (الحِوار) حينما تشتّد عليهِ الحرارة ويجد الرمضاء يستظّلُ بظلّ أمه، وهو كما قدّمتُ لكم يُقدَّر بنحو ساعة إلا رُبع أو أقلّ، وصلاة الضحى أقلّها ركعتان وللمسلِم أن يزيد إلى عشر وقدّ صحّ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- (كَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ رَكَعَاتٍ)، يعني ست ركعات، قَالَتْ: (وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللّهُ)،ومن هذا أخذ من أهل العلم من قال أنها إلى عشر ركعات، وقولُ عائشة هذا يُعكّرُ عليه في الظاهِر ويُعارضهُ قولها - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها-إنَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أو قالت: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى) يعني في بيتها، فالجمعُ بين هذا وما قبلهُ أنها :
أولًا: أخبرت عن عدمِ علمها، ثم بعد ذلك عَلِمَت فأخبرت بما عَلِمَته، وهذه فائِدة مهمة يا طُلاب العلِم وطالباتهِ فإنَّ من الفقه في الدين جمعُ نصوص الباب، فإذا ظهرَ التعارُض يضمّ العام إلى الخاص، والمطلق إلى المقيّد والمُجمل إلى المبيّن، وهكذا.
قال عليُّ ابنُ المديني بْنُ الْمَدِينِيِّ - رحمهُ الله- : (الْبَابُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ) ومن هنا أَخْطَأْت الْمُرْجِئَةِ حيث جنحت إلى نُّصُوصِ الوَعْدَ وتركت نُصُوصِ الوَعْيد، فنشأ عن عقيدتهم هذه الفاسدة ومنهجهم الفاسد عدم المبالاة بالمعاصي، وأخطأت الوَعِيدِية مِن خَوارِج وَمُعْتَزِلة حين جنحت إلى نُصُوصِ الوَعيد وتركت نُّصُوصِ الوَعْدَ ، فَحَصَلَ منَ الضَلالِ ما حَصَل، وَهَدَى الله – سُبْحَانَهُ وتَعَالَى- أَهْلِ السُّنَّةِ إلى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وسَبِيلٌ السَّلامَةِ، فجمعوا بين نُصُوصِ الوَعْدَ والوعيد، فقالوا في الْفَاسِقُ من الْمُوَحِّدِينَ: ((هُوَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهْ))، هذا حُكمُهُم عليه في الدُّنيا، وقد يقولون: ((مُؤْمِنٌ نَاقِصْ الْإِيمَانْ))، وأما في الآخرة: ((فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّه إِنْ شَاءَ الله غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهْ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهْ، وَإِنْ عَذَّبَهُ لَمْ يُخَلِّدْهُ فِي النَّارْ))، وقد بسطنا هذه في مجالس ودروس لا تُحصى، ومنها في هذا الجامع الذي نسأل الله أن يجعله مباركًا على إمامه وعلينا وعليكم وعلى جميع الحضور والمستمعين.
هذه الوصية الثانية.
الثالثة: القارئ : ((وأَنْ أُوتِرْ قَبْلَ أَنْ أَنَامْ)).
الشيخ: هذه واضحة، يعني: ينام على وتر، أو قولوا يصلي الوتر قبل النوم، وهاهنا مسألتان تنشآن عن هذا:
المسألة الأولى: في حديثِ بنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا- أَن رسول الله- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ: قال ابن عُمَرْ - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا -: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- عن صَلَاة اللَّيْل، قال: ((صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحْ صَلَّى وَاحِدِةْ فَتُوتِرْ لَهُ مَا صَلَّى)).
وهذا الحديث يُفيد:
أولًا: امتداد صَلَاة اللَّيْلِ مَثْنَى حتى يخشى الْمُسْلِمُ طُلُوعِ الفَجْرِ.
وثانيًا: تفيد أنَّ من خَشِيَ من الصُبح -يعني من طُلُوعِ الفَجْرِ أوتر واحدة توتر له ما قد صَلَاه ولو من أول اللَّيْلِ.
المسألة الثانية: في قوله- صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم -: ((اجْعَلُواْ آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا))، وهذا لا مُعارضة بينه وبين حديث أبي هريرة هذا، ويُمكن الجمع بينهما فيُقال: أَنَّ من كانت عادته القيام آخر الليل في الساعة المباركة، ساعة نزول الرب –جَلَّ وَعَلا- إلى السماء الدنيا وينادي عباده ((يَا عِبَادِي هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهْ)) الحديث، فليُؤخر وتره، ومن كان لا يُطيق القيام آخر الليل فإنه يُوصى بتعجيل وِتره ولو بعد العشاء، يصلي ما قُدِّرَ له ركعتين أو أربع ثم يُوتِرْ.
وها هنا سؤال: من كانت عادته التبكير بالوتر، كما في وصية رسول الله - صلي الله عليه وسلم- أبا هريرة هذه، أو كان خَشِيَ غلبة النوم عليه، ثم استيقظ آخر الليل ما يصنع؟
عرفنا أنه صنفان:
- صنف ضعيف: يغلبه النوم فلا يستطيع أن يقوم آخر الليل.
- وصنف يحس غلبة النوم: عليه على إصر تعب أو إعياء أو إرهاق أو شيء من المرض لكنه قام آخر الليل نشط هو أوتر أول الليل لكن هوقام آخر الليل فنِشط فليصلي شفعًا ركعتين أو أربع ولا يوتر، لقوله- صلى الله عليه وسلم-: (لا وِتْرَانِ في ليلةٍ).
وبهذا القدر نكتفي حتى لا نُطيل عليكم الجلوس، وليعرض علينا صاحبنا وتلميذنا الشيخ عبدالواحد إمامنا ما تيسر من الأسئلة.
القارئ: جزاكم الله خيرا، وبارك فيكم، ونفع بكم الإسلام والمسلمين.
الشيخ: الله المستعان، اللَّهمّ اغْفِرْ لِي مَا لا يَعْلَمُونَ، وَلا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ، واجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَقولون.
السؤال الأول:
السؤال الأول في هذا اللقاء يقول السائل: شخص مريض مرض لا يرجى زواله، فنصحه الأطباء المختصون أن لا يصوم لأجل ذلك، لأن ذلك يجعل المرض يشتد، لكن قالوا له لا بأس أن تصوم في الشتاء لبرودة الجو فيه وقصر اليوم، والسؤال: هل يؤخر الصوم إلى الشتاء، أم له أن يطعم نظرًا لأنَّ مرضه لا يزول؟
الجواب:
هذا القول الطبي الذي حكاه، مما يُبنى عليه الفتوى الشرعية أو تُبنى عليه الفتاوى الشرعية، فالأطباء -وأرجو إن شاء الله أن يكون مؤمونين- أوصوه أن يؤخر الصوم إلى الشتاء ومثل هذا عادةً في عالم الطب لا يكون إلا بعد فحوص دقيقة ومُكثفة، ويتيقنون أو يغلب على ظنهم فلا بأس أن يؤخّر صومه إلى أول الشتاء ثُمَّ يصوم بقدر ما صام الناس، فإن شاء صام شهره رمضانه متتابعًا أو متفرقا.
السؤال الثاني:
بارك الله فيكم شيخنا، سائلة تقول: علي صوم قضاء ثلاثين يوم أو أكثر ولم أستطع الصوم منذ سنتين، لم تستطع القضاء منذ سنتين بسبب الحمل، والسَّنة التي بعدها بسبب الرضاعة ، تقول: فماذا علي من القضاء أو إطعام المساكين؟
الجواب:
هذه فتوى لبعض أهل العلم ومنهم ابن عمر- رضي الله عنهما- وابن عباس- رضي الله عنهما- أنها عليها الكفارة، إطعام مسكين عن كل يوم، والجمهور على خلاف ذلك بأنَّ عليها القضاء، فقد وضعت أمامهاهذين القولين، فعلى أيهما قدرت فلتأخذ ولا بأس عليها إن شاء الله، وأنا في الحقيقة في دراسة هذه المسألة، فإذا ترجّح عندي شيء وعزمت عليه بثثته فيكم - إن شاء الله تعالى-.
السؤال الثالث:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الثالث، يقول السائل : هل صيام ثلاثة أيام من كل شهر هو نفسه أيام البيض؟
الجواب:
لا أدري أين ذهب السائلُ عنا، فراجع الشَّريط أو الموقع، لأنا قد بيَّنا هذه المسألة.
السؤال الرابع:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الرابع، يقول السائل: من نام عن وترهِ، ولم يصلِّهِ قبل طلوع الفجر؛ فهل يجوز له أن قضاؤه بعد الفجر؟ وهل يكون مثل وتر الليل؟
الجواب:
الذي أنا عليه إلى هذه الساعة، أنَّهُ يُصلِّي بعد طلوع الشمس في الضُّحى شفعًا، فإن كان وردُهُ تسعًا صلَّى ثمان أو عشر، وإن كان وردهُ سبعًا صلَّى ثمان أو ستًا، هذا الذي أنا عليه إلى هذه الساعة.
السؤال الخامس:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الخامس يقول السائل: ماذا يفعل من لا يستطيع الصَّوم إلا بعد رمضانين، إثر عملية جراحية؛ هل ينتظر حتى يقدر على الصِّيام ليقضي أو يُطعم؟
الجواب:
إن أفتاهُ طبيب حاذق مسلم، أو غير مسلم من أهل الكتاب، عُرِف أنَّهُ مأمون، ليس بينهُ وبين أهل الإسلام عداوة، فأرجو أنه لا بأس بتأخيره صوم رمضان، بعدما تتحسَّن صحَّته، ويقدر على الصِّيام.
السؤال السادس:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال السادس، يقول: هل يجوز أن نصلي بعد التراويح مثلًا الساعة الثانية ليلًا عشر ركعات جماعة؟
الجواب:
لعلك صَلّيت مع إمامك ثلاثٍ وعشرين ركعة، وهذا يكفيك - إن شاء الله تعالى-، أما إذا كنت لم تُصلِّي إلا عشرين ركعة، وأردت أن تؤخِّر، إلى ثلث الليل الآخر، فصلِّ ركعتين أو أربعًا، ثم أوتر بواحدة، لأنَّ من هديهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عدم إجهاد النفس فوق طاقتها، قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ((اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ))،وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : ((إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ))،فالأصل هو الاقتصاد في النوافل، حتى لا ينشغل عن ما هو أهم منه، فمثل لو أجهد نفسه بقيام الليل إلى الصبح قد يثقُل عن صلاة الصبح، لاسيما إذا أكثر هذا، داوم عليه، وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت:(( وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُعْمَلَ بِهِ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ((.، فلا تكلِّفوا أنفسكم أيها المسلمون فوق ما تطيقون، فإن النفس كما جاء عند بعض أهل العلم، لها إقبال وإدبار، فمن وجد في نفسه إقبالًا أطلق لها شيئًا في المستحبات، ومن وجد منها إدبارًا، يعني كسلًا وضعفًا، يُلزمها فقط بالواجبات.
السؤال السابع:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال السابع، يقول السائل: هل يجوز أن يُصلِّي صلاة الضُّحى مرةً ركعتين، ومرةً أربع، ومرةً ست؛ وهل لها حد؟
الجواب:
أما الحد فقد أسلفته، وهو أن بعض أهل العلم قال : إلى عشر، وذكرتُ مأخذهُ فيما يظهر لي حديث عائشة، وأما هذا التنويع، فالأحبُّ أن تداوم على شيءٍ تُطيقه، ولا بأس فلا يُثرَّب عليك هذا، كونك تصلِّي مرةً ركعتين، ومرةً أربع، ومرةً ست، ومرةً ثمان، لا يُثرَّب عليك، لكن الأولى والأفضل أن تُداوم على قدر معيَّن.
السؤال الثامن:
ما الضابط في الغضب الذي ورد في الحديث: «لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ»؟
الجواب:
الإغلاق هو أن ينغلق الفكر، فيطيش المرء عن صوابه، فلا يدري ما يقول وما يفعل؛ هذا هو ضابطه.
السؤال التاسع:
كنت غاضبًا فقلت علىَّ الطلاق ثلاثًا إن لم تفعل زوجتي كذا وكذا، ثم لم تفعل هل تكون طالقًا هكذا؟ وكم تحسب طلقة علمًا بأنه قال: لم أرد الطلاق (الفراق)، وإنما أردت التخويف؟ أيضًا نريد نصيحة لطلاب العلم الذين يُسألون عن مسائل الطلاق، هل لهم أن ينقلوا كلام أهل العلم للسائل، دون أن يفتيه في واقعته وأمره؛ بارك الله في علمكم؟
الجواب:
سؤالك هذا يتضمن شيئين:
الأول: ما بينك وبين زوجك؛ فلا أستطيع أن أُفتيك في هذا، لأن الفتوى مني أو من غيري تتطلب التحقيق مع كل منكما، وربما استدعى الأمر استحلاف كل منكما.
الثاني: طلاب العلم: قسمان؛ طلاب مؤهلون يحذقون فتوى المشايخ، وعندهم أهلية بالنظر فيما شابهها فهذا لا بأس به، كأن يقول مثلا قائل: الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله- والشيخ بن العثيمين - رحمه الله- والشيخ بن سعدي - رحمه الله- يُفتون بالغاء الطلاق في الحيض، أو في طهرٌ جامع زوجه فيه.
ولآخر يقول: الجمهور يوقعون الطلاق في هاتين الحالتين.
أما طلاب العلم البدائيون فليس لهم ذلك، لأنه لا فرق بينهم وبين العوام إلا شيء يسير؛ لا يؤهلهم إلى مثل هذا.
السؤال العاشر:
دخلت المسجد وأنا صائم وأذن المؤذن لصلاة المغرب؛ فهل أجلس وأُفطر أم أصلي ركعتين تحية المسجد؟
الجواب:
أفطر ثم صلِ.
السؤال الحادي عشر:
هل يُشرع عند افتتاح مسجدٍ جديد أن يوزعوا الحلوى ويصنعوا وليمة، فرحًا بافتتاح هذا المسجد؟ وهذه ظاهرة منتشرة في بلدنا، وكيف نصنع في هذه الظاهرة؟
الجواب:
هل صنع هذا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ؟ مع قيام المقتضي تُفتح مساجد، بنى –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مسجد قُباء ولم يفعل ذلك؛ ولو أمر المسلمين لفعلوا، ثم بنى مسجده بالمدينة ولم يفعل ذلك، ولو أمر المسلمين لفعلوا، وكذلك المسلمون في عهده وبعده عهد الخلفاء الأربعة وبعدهم لم يفعلوا هذا.
فشيء لم يفعله النَّبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا خُلفاء الإسلام فهو بدعةٌ منكرة.
ولو أفتى به بعض أهل العلم؛ فأن من أفتى به لا يخلو من حالين:
إما أنه يجهل السُّنة في هذا، أو أنه ليس عنده فرقان بين الأمور.
السؤال الثاني عشر:
بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الثاني عشر، يقول السائل: هل ما يُسمى عند العامّة بصلاة الشروق هو نفسهُ صلاة الضحى؟
الجواب:
حتى عند بعض المنتسبين لأهل العلم يقولون صلاة الإشراق أو صلاة الشروق ولعلهم أخذوا هذا من قولهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مَن صَلَّى الصُّبحَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ في مُصلاه يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ ) حديثٌ حسن، وهذا هو بدايةُ صلاة الضحى كما قدّمنا في شرح الحديث يعني ليست هذه التسمية شرعيّة، بل هي استنباطية فها هي صلاة الضحى، بدايتها كما بيناه في شرح الحديث.
السؤال الثالث عشر:
بارك الله فيكم شَيخنا، السؤال الرابِع عشر، يَقول السائل: كيف يكون التعامل مع الصوفيّة؟ لأنهم يكرهوننا ويؤذوننا؛ هل نهجرهم أم نتلطّف معهم، ونخالطهم في غيرِ بدعهم؟
الجواب:
هذه قاعدة مضطردة، فما من مبتَدِعٍ إلا ويُبغض أهل السُّنة، وقد ينتهي الأمر بهم إلى السيف، كما قال قائِلُ بعض أهل العلِم - رحمهم الله-:(مَن ابْتَدَعَ بِدْعَةً إِلا اسْتَحَلَّ السَّيْفَ)، وقد تكون البِدع من الصغائِر لكن هذه النهاية، ولهذا حذّرَ أهل العلِم من صغارِ البِدع، كالتسبيح بالحصى جماعة، الذكر الجماعي، التسبيح بالحصى، اختراع عدد من التسبيح لم يكن في سُنة النبي - صلى الله عليهِ وسلم- فوجِدَ من بعض المُتَصَوِفة من يتّخذ التسبيح الآلي فيَعُد عشرَة آلاف تسبيحة وهكذا، فهذا من المحدثات في دين الله، فكون الصوفيّة يكرهونكم ويبغضونكم، هذا ليس بمستغرَب علينا، فلا تستغربوه أنتم، لكن انظروا في الحال والمآل، فإن كان هؤلاء المتصوفة هم أهل الشوكة والصولة والجولة والكفة الراجحة في البلد منهم أئمة، أئمة المساجِد، وقُضاة ووزراء، وزراء شؤون إسلامية، ورؤساء محاكم فداروهم، إذا لقيتموهم فسَلّموا عليهم، وهشّوا لهم وبشّوا، هذه مُداراة وهي جائِزَة، ففي صحيح البُخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها- (أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أئذنوا لَهُ) وفي رواية (ائْذَنُوا لَهُ) ضُبِط على الوجهين، فلما دخلَ عليهِ هَشّ لهُ وبشّ وألانَ لهُ الكلام، فلما خرجَ من عندهِ قالوا يا رَسُول الله قُلتَ ما قُلت في الرجل فلما دخل عليك فعلتَ معهُ ما فعلت، صنعتَ معه ما صنعت، قال: ( إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَدَعَهُ النَّاسُ) يعني تركوه،(اتِّقَاءَ فُحْشِهِ)، أما إن كانت الصولة والجولة وقوة الشوكة ورُجحانُ الكّفة لأهلِ السُّنة فيُهجر هؤلاء ويُحَذَّر منهم ولا كرامة، وقد بينتُ هذا في مواطن عِدة ومنها رسالة صغيرة طُبعت ضمن مجموعة الرسائِل بعنوان: (الحدّ الفاصِل بين أهل السنة وأهل الباطِل) أو( بين أهل الحقّ وأهل الباطِل) فليراجعها من شاء وليس هذا والله بالله وتالله من عندي إِنما هوَ استِنباطٌ لِما كانَ عليهِ السَلفُ الصَالِح، وَ كَيفَ يُعامِلون المُخالِفين مِن المُبتَدِعة.
السؤال الرابع عشر:
بارك الله فيكم شَيخنا، السؤال الرابِع عشر، يَقول السائِل: هل من مات في حادِثِ سَيارة يُعتَبر شَهيدا؟
الجواب:
هذا مَقتول قتل شِبه عَمد أَو خَطأ، وَ لَيس هؤلاءِ مِن الشُهداء، لكن إِن كان هذا الحادِث مِن الخَوارِج، فَجّروا السَيارة فأَرجو إِن شاءَ الله أَنه يَنالَ الشَهادةَ، لاسِيما إِن كان مِن الجُنّد، جنّد الدَولة المُعَدّين لِمطارَدةِ هؤلاءِ وَ مُلاحَقَتِهِم، فَهُم مَشغُلونَ بِهم، أَرجو الله إِن شاء الله أَنهم شُهداءَ.
السؤال الخامس عشر:
أَحسنَ الله إِليكم، وَ باركَ فيكم وَفي عِلمِكُم، هذا سائِلٌ مِن تونس يقول: شَيخنا باركَ اللهُ فيكم، طَلبَ مِنا رِجالَ الأَمن في بلدِنا أَن نَجمعَ ثلاث مِن نَصائِح العُلَماء في التَعامُل مَعَ الخَوارِج؛ فَما نصيحَتُكم في التَعامُلِ معَ الخَوارِج في بَلدِنا؟
الجواب:
النَصيحةِ مِنْ السُّنة، إِنْ كُنتم قادِرين وَعِندكم الأَهلية، فَاجمَعوا لهم مِن السُّنة الصَحيحة، وَكذلِكَ ضُمّوا إِليها مِن كلامِ الأَئِمة ما استَطعتُم، مِثل كَلام شَيخ الإِسلام ابن تَيمية، وقَبلهُ أَحمد، وَبعدهُ تِلمِيذُه ابن القَيم وابن رَجب، والأَئِمة إِلى اليوم كَلامُهم واضِح في هذا.
القارئ: لو رأَيتم يا شيخ حفظَكم الله أَنهم يَجمَعون مِن كَلامِ العُلَماءَ المَقبُلون عِندَهُم في بَلَدِهم.
الشيخ: هذا طَيب إِذا كان هُناكَ عُلماء فَوقَها ضُمُّوا كَذلِك يعني لا تُغفِلوا كَلامهم، هذا طَيب أَحسَنتُم.
السؤال السادس عشر :
السؤال السادس عشر، يَقول السائِل: أَحسَن اللهُ إِليّكُمَ وَ بَارَكَ فيكُم، هل يَجِبُ عليّ صِلةَ زَوجات أَعمَاميّ وَأَخوالي؛ وَكيفَ يَكون ذلِك؟
الجواب:
هؤلاء النِساء لَسنَ محارِم لَك، لكن كونكَ تُسلم على أَهل البيتَ إِذا كَانوا يَسمَعونكَ، أَو تَمرّ إِحداهُن فَتُلقي السَلام عليها وَ تَسأَلُها عَن بَعضِ أَحوالِها وَ إِن كان لَدَيها مَريض سَأَلتها عنه فلا بَأَس بِذلِك - إِن شاءَ الله تعالى-.
السؤال السابع عشر :
باركَ الله فيكم شَيخَنا السؤال السابِع عَشر، يَقول السائِل: ما هو الرَدّ على مَنْ يَستَدِل بِقِصَة بني قُريضة عَلى جوازِ الخِلافِ في الأُمة وَعَدم الرُدود في المَسائِل الفِقهية؟ وَجزاكم الله خيرا.
الجواب:
السائِل أَخطأ، وَلا أَدري ما منشأُ هذا الخَطأ، هل هوَ سوءُ قَصدٍ أَو سوءُ فَهم، وَعلى كُلِ حَال فَنَحنُ نُجيب بِالتَفصِيل.
فَنَقول: أَما بَنو قُريضَة فَإِنَهم نَقَضوا العَهد فَصَنعَ بِهم النَبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَتلَ المُقاتِلة وَ سَبى الذُرية، النِساءَ وَالذُرية وأَخَذَ الأَموال، وَهذا بِوحي الله، فَإِنهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَكمَّ سَعدَ بن مُعاذ -رضي الله عنه- فحكم فيهم هذا الحُكم وَقال: ((وَاَلَّذي نَفْسي بيَده أَنه لحكم اللهمِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ)) أَو كما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
وَأَما القِصَةُ الثانية، وَ لَعَلَ السَائِل يُريدُها وهي كَعب ابَنَ أَشَّرَفَ اليَهودي، فَإِن هذا قال كَلِمات كُفر وأَقذَعَ في التَشبيب بِالنِساءِ المُسلِمات وَهجا، فَأَمر النَبيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَتلِهِ، انتَدبَ إِليهِ محمدَ بن مَسلَمة، وَ أخرين كما هو حاصِل جميع الروايات في ذلِك، ومِن هذا يُؤخذ أَنه إِذا كان هُناكَ جاسوس، يَتَجسس على الدَولَةِ الإِسلامية، وَيُفشي أَسَرارها للأَعداء، فللإِمام أَن يَقتُلهُ، إِما صَبرًا وَإِما أَن يَبعث إِليه من يَقتُله، وَاللهُ أَعلم.
القارئ: شيخ، الله يحفظكم يا شيخنا، هل ترون أَنه ربما يَقصد صلاة العَصر، ((لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)) وَكل منهم أَخذ مَأَخذ.
الشيخ:ماذا قال، القتل؟
القارئ: لا يا شيخ هو أَطلقَ، السائِل أَطلق ما حدد؟ قال يستدل بقصة بني قريضة على جواز الخلاف في الأُمة، فقط؟
الشيخ: وهذهِ أَطم مما قَبلها، هذهِ يَستَدِلون بِها الأَقدمون مِثل عُبيد الله العَنبري، على قاعدة فاسِدة ( كلُّ مُجتَهدٍ مُصيب) هذا ليسَ بِصحيح، وَ الأَن في هذا العَصر(نتَعاون فيما اتفقنا عليه وَيَعذُرُ بَعضُنا بَعضًا فيما اختَلفنا فيه)، وَهي تلكُم القاعِدةُ الفَاجِرةُ المَلعُونة، التي فَتحت البابَ على مِصراعيه لِمُمازَجةِ أَهلِ السُّنة، سواء كان النِحلة المَفتوح الباب أَمامَها مُنتَسِبة إِلى الإِسلام كَالرافِضة، أَو غير منتَسِبة للإِسلام كَاليَهودية، وهذه قاعدةُ المَنارِ أَولًا- يَعني بِهذا اللفظ- ثُمَ هي قاعِدةُ الإِخوان المُسلِمين وَقد تَكلمتُ عَنها كَثيرا.
فَهؤلاءَ الذينَ قال فيهم النَبِيُّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ)) هذه الناس انقَسموا قِسمين، قِسمٌ رأَوا تَقديم الوَقت، صلاة العَصر في أَول وَقتِها وَفَهموا من الحديث أَن المَقصود التَعجيل لِصلاة العصر.
وَ قِسمٌ مَضوا، حتى جاءَ في بَعضِ الروايات أَنهم لَم يَصِلوا قُريضة إِلا بعد العِشاء، فَصلَّوْا، فهؤلاء الآخرين الذين أَخذوا بِالنَص هُم المُصيبون والآخرون مُجتَهِدون، والمجتهد إِذا أَصَابَ فَله أَجران وإِذا أَخطأَ فَلهُ أَجر واحد وخَطَئهُ مَغفور، وليس مَعناه أَن كُل طائِفة من الاُمة إِخوانية أَو تَبلِيغية أَو أَهل سُنة أَو رافِضة أَو خوارج لَهُمَ ما يَشاؤون، لا هذا خَطأَ، هذا خِلاف ما أَجمعت عليه أَئمة العلم وَ الدين، فَإِنَهم مُجمِعونَ على وجوب العمل بِالسُّنة، قالَ الشَافِعي - رَحِمَهُ الله تَعالى-: (أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فليس لَهُ غيرها) أَو كما قال -رَحِمَهُ الله- يعني أَجمَع الأئِمة الأَربعة وَغَيرُهُم، مِن أَئِمة العِلمِ والإِيمان والدين، على أَنهُ يَجِبُ التَمسُكُ بِالسُّنة، وَرَدُّ كُلّ خِلافٍ إِلى الكِتابِ والسُّنة، أَخذوا هذا - رَحِمَهم اللهُ- من قَولِهِ تعالى :((فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)) [النساء59] الآية، وَإِلى السُّنة المُتَواتِرة كَذلِك في هذا الباب، فَالخِلافُ لا يُردُّ إِلى مُجَرد الرأَي، لا، بَل يُرَدُ إِلى الكِتاب وَالسُّنة.
القارئ: أَحسن اللهُ إِليكم وبارك الله فيكم، الأسئلة انتهت.
الشيخ: وَ بِهذا نكتَفي من الجَلسةِ مَعكم ونستأذنكم.
السلام عليكم وَرحمة الله وَبركاته.