جديد الموقع

888332

الجواب: 

الشيخ: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد.

فلا نزال في أبواب الصِّيام مِنْ كتابِ (عُمْدَةِ الأَحكام)، وقد بَقِيَ علينا حديثٌ في الباب السابق وهو آخِرُهُ، فَيُقْرَأُ أولًا، ثمَّ نُتابعُ في الباب بعدَهُ إن شاء الله تعالى.

القارئ: بسم الله والحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله  وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد.

فاللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالدينا والسامعين.

قال الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ المَقْدِسي - رحمه الله- في كتابه (عُمْدَةِ الأَحكام في معالم الحلال والحرام عن خير الأنام محمد عليه الصلاة والسلام مما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم)، قال في كتاب الصيام: 

عَنْ أبيِ هُرَيْرَة- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ : (( بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , هَلَكْتُ، فقَالَ : مَا أَهْلَكَكَ ؟ قَالَ : وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ - وَفِي رِوَايَةٍ: أَصَبْتُ أَهْلِي فِي رَمَضَانَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ : لا، قَالَ : فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ قَالَ : لا، قَالَ : فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا ؟ قَالَ : لا . قَالَ : فَسَكَتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ ؟ قَالَ : أَنَا، قَالَ : خُذْ هَذَا , فَتَصَدَّقَ بِهِ . فَقَالَ الرَّجُلُ : عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي : يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ))، الْحَرَّةُ : أَرْضٌ تَرْكَبُهَا حِجَارَةٌ سُود.

الشيخ: هذا الحديث الكلام فيه على ما تضمَّنه من أحكام، وهي فوائدُهُ وفقهه.

فالفائدة الأولى: في مجيء ذلكم الرجل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وقولِهِ: هلكتْ دليلٌ على أنه مستقرٌ عند القوم تَحْرِيم الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ.

الثانية: فيه منقبة لذلكم الرجل وهي إتيانه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ليَدُلَّهُ على ما يمحو الله به إثمه، فإثْمُهُ أو الدَّليل على أنه رَكِبَ إثمًا بِجماعه أهلَهُ في نهار رمضان قولُهُ: (هَلَكْتُ)، وفي رواية (هَلَكْتُ وأَهْلَكْتُ).

الفائدة الثالثة: الكَفَّارَة، كفَّارة الْفِطْر بالجماع في نهار رمضان؛ وهذا قيدٌ لابد منه (كفّارة الْفِطْر بالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ)، وَهذا القَيدَّ دَليلٌ على أَنهُ لا كَفارةَ عَلى مَنْ وَقَع على أَهلِهِ وَأَفطَر أَو فَطَّرهُم بالجِماعِ في صِيامٍ غير رَمضان، بل من أَهلُ العِلمِ من قال حتى قَضاءُ رمضان ليس لَهُ تِلكُم الكَفارةَ.

الفائِدةُ الرابِعة: أَن هذِهِ الكَفارة مُرتبة، فهي كَفارةُ ظِهار، فمن أَتى أَهلَهُ في نَهارِ رَمضان، عامِدًا ذاكِرًا صُومهُ مُختارًا، فأَولُ ما يُأمرُ بِهِ تَحريرُ رَقبةِ مؤمنة، فإِنّ لم يَجِد رَقبة مؤمنة وَهذا يُخرِجُ الرَقبة الكافِرة، فلو أَعتقَ رَقبةً كافِرة لاتؤدّي عنه، أَو لا يؤدي عنهُ ذلكم العِتق.

الثانية في الترتيب؛ صيامُ شَهرينِ مُتتابِعين، وَ لِهذا أَولًا سأَلهُ عن الرقبة:(هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا ؟ " قَالَ : لا قَالَ : " فَهَلْ تَسْتَطِيعُ صَوْمَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ؟ " قَالَ : لا)

الثالثة: في الترتيب إِطعام المَساكين، ستين مسكِينًا، وقد ظهر لكم في الحديث أَن هذا الخِطاب موجّهٌ إِلى ذلِكم الرَّجُل، والسؤالُ هُنا هل المرأَةُ مِثلُهُ أَو لا؟ يَعني هل عليها تِلكُم الكَفارة المُرتّبة مثلُ ما على الرَجل؟ والجواب أَرجَحُ القَولين أَنها عليها الكَفارة، بِشروط:

الأَول: أَن تَكونَ راضِية.

الثاني: الإِختِيار.

الثالث: ذِكرُها الصِيام.

فَيخرُجُ بِهذا لو كانت نائِمة، فَتناوَلها وهي على هذِهِ الحال ولم تتنبه لَهُ حتى وَقع ما وَقع.

الثاني: لو كانت ناسيةً صِيامها، لو كانت ناسيةً صيامها وهو ذاكِرٌ إِياه، فلا كَفارةَ عليها.

الثالث: أَن يَقهرها بالقوة، حتى يَنالَ مِنها بِضربٍ أَو خَنقٍ أَو ضَغط بالقُوةِ بِحيث لا يُمكِنُها التَّخلص، فلا كفارةَ عليها.

فإِذا كانت مُطاوعة مُختارة، ذاكِرة صيامها فالكفارةُ عليها، مثلُهُ، فَعليها مِثلُه.

فيُقالُ لها: (هل تَجدين رَقبةً تُعتقينها، فإِن قالت نعم، قُلنا إِفعلي أَعتِقِي رَقبةً مؤمنة، وإِن قالت لا، أُمرت بِصيام شَهرين مُتتابِعين، فإِن قالت لا تَستَطيع، قيل لها أَطعمي ستينَ مِسكِينا)

ومن فوائِدِ هذا الحَديث:

جوازُ الإِعانة على العاجِز عن الكَفارة، وهذا يُفيدُهُ صَنيعُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإِنهُ لمَّا جاءَهُ (العَرق) وفي رواية (الفَرَق) قيلَ ما بين خمسةَ عشرة صاعًا إِلى عشرينَ صاعًا من التمر دفعه إلى ذلكم الرجل، فأمره أن يتصدق به، وهذا إعانةٌ صريحة منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لذلكم الرجل على كفارته حين تبيّن عجزه عنها.

ومن فوائد هذا الحديث سقوط الكفارة عن العاجز، وهذا أفاده شيئان:

الأول من لفظ الحديث، قال (كُلُه كله)، وهنا (قَالَ : أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) (وفي رواية قال: (كُلْهُ كُلْهُ).

الثاني: أنه لو كانت الكفارة واجبةً عليه حال يُسره كما قاله بعض أهل العلم لأمره النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولَقَالَ له: ثم كَفِّر إذا استطعت، أو قَدِرت أو أيسرت، وإذ لم يأمره النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بذلك بانّ بأنها تسقط عنه ولا كفارة عليه إذا وجد يُسرا.

ومن القواعد المقررة في علم الأصول أنه لايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة والعمل، وحالة ذلكم الرجل تقتضي البيان بما تقدم، (أطعمه أهلك فإذا وجدت غِنًا فكَفِّر).

وها هنا سؤال؛ لم يرد في هذا الحديث أَمْره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ذلكم الرجل بقضاء صيام ذلكم اليوم، لكنّه جاء في روايات يشدُّ بعضها بعضًا، (وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ) والله أعلم.

ثم الباب الجديد.

القارئ : (بَابُ الصِّومِ فِي السَّفَرِ).

الشيخ: بَابُ الصِّيام في السفر أو باب الصوم في السفر؛ كلتا الكلمتين بمعنى، ولهذه يضبطها بعضهم (الصِّيَامِ) وبعضهم يضبطها (الصَّومِ).

أقول: شريعة محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مبنيةٌ على التيسير في كلِّ أمرٍ تكتنفه مشقة تُعجز عنه، وهذا دلَّ عليه الكتاب والسُّنة فمن الكتاب الكريم قوله- جلَّ وعلا-: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [ البقرة286]، وقوله - جلَّ وعز-: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾[ التغابن 6]

ومن السُّنةِ المستفيضة حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- كَانَتْ بِه بَوَاسِير، فَسَأَلَ النَّبِيَّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ: ( صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍك) ،وقول المصنف (بَابُ الصِّومِ فِي السَّفَرِ)، تنبيهٌ إلى أمرين:

الأمر الأول: ترخيص الشارع الحكيم للمسافر بالفِطرِ في سفره.

والثاني: التنبيه إلى أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وحاصل أقوال أهل العلم شيئان وإن شئت فقل قولان:

الأول: وجوب الفطر في السفر، وإن صام فلا يُغنيه عن القضاء، وهذا هو قول أهل الظاهر، وحُجّتهم من الكتاب الكريم قوله – جلَّ وعلا-:﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:184]، استفادوا منها الوجوب، يجب على المسافر أن يفطر، ولكن هؤلاء محجوجون بشيئين:

أحدهما: دلالة السُّنة المُستفيضة على جواز الفطر في رمضان للمسافر، كما سيأتي، ومن تلكم السُّنّة المستفيضة أحاديث الباب.

والثاني: من نفس الآية، وهذا خافٍ إلا على خواص من أهل العلم، فقوله تعالى-: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾[البقرة:184] فيها (مَحذوف) تقديره (فَأَفْطَر)، فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فأفطر فعليه عِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر، وهذا هو ما يقتضيه المقام، ويُسَمّى عند الأصوليين: ((دَلَالَةْ الْاقْتِضَاءْ)) يعني أنَّ الكلام يقتضي محذوفًا أو تقديرَ محذوف، هذا من وجه.

 ومن وجه آخر لو قال قائل: هذه الآية مُجملة ونحن لا نُسَلّم لما ذكرتموه من دِلالة الاقتضاء، وأن الآيةَ فيها محذوف تقديره ما ذكرتم.

فالجواب: نُسَلّم لكم أن الآية مُجْمَلة، لكن بَيّنتها السُّنة المستفيضة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهذا من بيان القرآن بالسُّنة، فالقرآن يبيّنه القرآن نَفْسُهْ، وإذا لم يوجد بيانه في القرآن فبيانه في السّنة الصحيحة عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

القول الثاني: قول الجمهور، وهم المُرَخِّصون بالفطر في الصَّوم للمُسافِر، وهؤلاء طوائف: طائفة قالت: ((الصَّومُ أَفْضَلْ)) واستدلوا بسُنة صحيحة يأتي ذكرها في ثنايا استعراض أحاديث الباب، قالوا: ((الصَّومُ أَفْضَلْ))، واستدلوا بسُنّة صحيحة كان يأتي ذكرها ثنايا استعراض أحاديث الباب قالوا: (الصوم أفضل)، وقالت طائفة: (الفطر أفضل)، وتوسطت طائفة ثالثة؛ فقالوا: (الفطر أفضل حال المشقة والصوم أفضل حال عدم المشقة)، والصواب الإطلاق (أن الفطر في السفر أفضل من الصوم فيه).

ويدل لذلك أمران:

الأمر الأول: حِسِّي واقعي، وهو أن السفر مهما تيسرت وسائله المُعينة عليه فلا يخلو من مشقة.

وهاكم مثال حِسّي واقعي؛ وهو أن من أراد أن يسافر بالطائرة إلى جده مثلا ومن ثم العمرة فإنه يجد من المشقة ما يجد، فهو يتهيأ قبل الرحلة بساعتين على الأقل، ثم يحمل ما يحتاج من متاع في سيارته، حتى يصل إلى المطار قبل موعد الرحلة الساعة بساعة أو ساعة ونصف، ثم انتظاره مع الزحام، وقد تتأخر الرحلة عن الزمن ساعة أو ساعتين، فالمشقةُ حاصلة.

وثانيا قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ)، فإذا تقرّر هذا، في هذه المقدمة التي لا بد منها لفهم أحاديث الباب، نطلب من تلميذنا وصاحبنا وأخينا الشيخ عبد الواحد تفضل بعرض أحاديث الباب، وأطلب من الجميع أن يقيّدوها مسائل.

القارئ: عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّقَالَ للنَبيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ((أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ ؟ - وكان كثير الصيام- فقال: إِنْ شِئْتَ فصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَفْطِرْ))

الشيخ: هذه المسألة الأولى، وهو تخيير المسافر بين الصوم والفطر، والحديث صريح الدلالة على هذا، أنا أنطقها (الدِّلالة)، وقال شيخنا الشيخ حماد- رحمه الله- (يجوز الدَّلالة والدِّلالة أفصح)، ألم تسمعوا إليه- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يقول: ( فإِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ)، وهذا من أبلغ الرّدود على أهل الظاهر، وقد تَقَدَّم حكاية مذهبهم، هذي أولى فوائد الحديث.

الفائدة الثانية منه في قول الصِّدِّيقَةَ بنت الصِّدِّيقِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَعَنْ أَبِيهَا - وإن رغمت أنوف الرافضة عليهم لعائن الله المتتابعة، ولو كان أحدهم جالسًا بجواري، وهذه المنقبة، قالت: (وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ )، والسؤال هنا: هل هذا الوصف حال فريضة أو نافلة؟

قولها- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: (وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ )، هل هذا المدح لحَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَ - حال صيام فرض أم نافلة؟ نافلة، أما الفرض فلا يُقال فيه (كَثِيرَ الصِّيَامِ)، أحسنتم جواب جميل، بعده المسألة الثانية.

القارئ: المسأله الثانية: عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال :(كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ).
الشيخ: قوله هذا من السُّنَة التقريرية، فالسُّنَة ثلاثة أقسام:

قَوْلِيَّةٌ: مثل: (‏بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ).

وفِعْلِيَّةٌ: مثل رُكُوعَهُ وَسُجُودَهُ وجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ .

وَتَقْرِيريّة: مثل هذا الحديث، وهذه السُّنة التقريرية يحكيها صاحبه وخادمه أَنَس- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- (فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ)، وهذا تقريرٌ منه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، الطائفتين كلًا منهما على ما صنعت، طائفةٌ تُفْطِر وهو يرى ويسمع، وطائفةٌ تَصوم، وهذه حُجَّة أخرى على أهل الظاهر، فلو كان الفطر واجبًا كما ذهبوا إليه لقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-(أفطروا) لعَزَمَ عليهم الفطر، لكنه أقرَّ كلًّا على ما صنع.

القارئ: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ-.

الشيخ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم- ، لا إله الا الله- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

القارئ: - (وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ )

الشيخ: وهذا يمكن أن يَستدل به من يُفَضِّلون الفطر على الصوم حال السفر عند المشقة يمكن أن يستدلوا به، ويُؤيد ما يذهبون إليه قول أَبِي الدَّرْدَاءِ: (وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ)، فالقوم كلهم مُفطرون، هذا يصلح دليلًا لهم، لكن تأمّلوا وانتظروا سيأتي المزيد في المسألة، هذه المسألة الثالثة في هذا الباب.
القارئ: عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ- رضي الله عنهما- قال: كان رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا صَائِمٌ فَقَالَ لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ، قَالُوا : صَائِمٌ . قَالَ : لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ)، وفي لفظ لمسلم: (عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ.(

الشيخ: هذا الحديث فيه المسألة الرابعة وهي أن بعض النَّاس ممن قلَّفقههم فأخذوا ببعض نصوص الشارع وتركوا بعضهُ، وهؤلاء أقل ما يقال فيهم مُتَعَجّلة، لم يَتأدَّبوا بآداب العلِم، ولم يثنوا رُكبهم أمام أهل العلم حتى يجمعوا السُّنة في الباب الواحد، فإذا رأوْا صائمًا قالوا له: أفطر، قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: (لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ) وهذا استدلالٌ خاطئ جدًّا، وإيضاحه:

أولًا: ما سبق من سُنته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- التقريرية إقرارُ الصحابة الصائِمين والمُفطرين كُلٍّ على ما صنَع.

وثانيًا: حديث أبي الدَّرداء قبل هذا، وهو أنَّهُ مع شِدَّة الحرِّ، صام رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ.

وأمرٌ آخر: وهو التَّثريب على من كان صائمًا مع رسول الله –صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، هذه كلها تردُّ الاستدلال بهذا الحديث على إطلاقه.

فإذن ما المقصود بهذا الحديث؟

سياقهُ يظهرُ لكم أنَّهُ قالهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، في حالةٍ معيَّنة، وهي شدَّة معاناة ذلكم الرجل من الصِّيام حال السَّفر، وصل الأمرُ به إلى أنَّهُ يُظلَّلْ عليه، فإذًا كل من كان حالهُ مثل حال ذلكم الرجل، أجهدهُ الصَّوم، حتَّى ظلِّل عليه، أو يُرشُّ بالماء، فيُقال لهُ: أفطر، ((لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ))، وبهذا تعلمون أنَّ الحديث ليس عامًّا، بل هو خاص.

ولو أنَّ قائلًا قال: أليس من قواعد الأصول (أن العبرة بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السَّبب)؟

قلنا: هذا الحديثُ لنا وليس لك أيُّها المُتعجِّل، حتَّى تسْتدِلَّ بالحديث استدلالًا عامًّا مُطلقًا، نعم العِبرة فيه بعموم اللَّفظ، والمعنى أنَّهُ إذا وُجد من شقَّ عليه الصيام حتى يُخشى عليه، فيُقال لهُ: (أفطِر لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ)، بل في الحضر لو أنَّ شخصًا انخفض عندهُ السُّكر انخفاضًا يُخشى منهُ عليه؛ ببرودِ أطرافه، وشدة عرقه، وسرعة نبضات قلبه، فيُقال له: (أَفْطِر، أَفْطِر، لا تُهلك نفسك)، فيُرغَمُ على الفِطر، يُرغمهُ من قدِر عليه، يُلزم بالفِطر.

المتن: المسألةُ الخامسة: عَنْ أَنَسٍ بن مالك - رَضِي اللَّه عَنْه- قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِي سَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ : فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وأَكْثَرُنَا ظِلًا صَاحِبُ الْكِسَاءِ ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيَةِ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ((ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْم بِالأَجْرِ.((

الشيخ: وهذا يمكن لأهل الظاهر أن يستّدلوا به، فما دليلهم؟ وما وجه الدِّلالة؟ ما الشَّاهد عندهم منهُ؟ من يجيبُ؟ ((ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْم بِالأَجْرِ) وعندهم أنه لا أجر للصائمين، وهذا خطأ، لم يسبقهم إليه أحد فيما نعلم، فقوله: ((ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْم بِالأَجْرِ)) يعني: بما صنعوا من بناء الخيام وسقي الرِّكاب - يعني الرواحل التي يرحلون عليها من إبل أو خيول أو بِغَال-، فهم نالوا الأجر يعني أجر الخدمةـ ويؤيد ما سبق من الأحاديث، فالنبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أقرَّ المُفطرين في السَّفر على فطرهم، كما أقرَّ الصُّوام على صيامهم.

القارئ: المسألة السادسة: عن عائشة - رضي الله عنها- قالت: (كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلا فِي شَعْبَانَ)

الشيخ: هذه المسألة السادسة فيها فائدتان:

الأولى: وفاء الصدِّيقة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- - لزوجها ونبيها محمد-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما جاء في بعض الروايات ((لمَكَانَتهُ منِي))والمعنى كما دلّت عليه أحاديث أُخر، أنه كان أكثر ما يصوم في شعبان.

الفائدة الثانية: وهذه عامة: وهي الدليل على جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، فمن أفطر من رمضان أيامًا فهي دَيْنٌ عليه، له أن يُؤخِّرها إلى شهر شعبان، ولكن المبادرة أفضل، يدلُّ لها قوله-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: (( وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ))، وقوله - جل وعلا-: ﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [الحديد:21] هذا أولًا.

ثانيًا: أن المبادرة بعد الفطر من رمضان مباشرة تُخَفِّف القضاء على النفس، فكلما أبطأ بقضائه يثقل عليه.

الفائدة الثالثة من المبادرة: عدم النسيان، فمن أخّر القضاء قد ينساه، ثم لا يتذكر إلا بعد حين وعليه قضاءٌ آخر، ثم قد يتساهل فيتراكم القضاء عليه، وهذا يكثر عند بناتنا - أصلحهن الله- أعني ببناتنا المسلمات-، فمنهن من تؤخِّر القضاء سنوات، فتسأل من تسأل فيُقال لها: هل أحصيت؟ فتقول: لا والله ما أحصيت، فهنا تؤمر بالاحتياط، فإذا كانت متردِّدة بين عشرين وثلاثين تؤمر بقضاء كم؟ تصوم كم يوم؟ ثلاثين، هذا أحوط لها، والله أعلم.

بقي أمر آخر، هذا - إن شاء الله- يُبحث في دراسة أحكام المفطرين في عمدة الفقه، بعد ما ننهي أبواب الصيام من عمدة الأحكام، ننتقل - إن شاء الله- إلى عمدة الفقه، ويُعلن في حينه.

قارئ المتن: المسألة السابعة: عن عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».

وقال: أخرجه أبو داود وقال: "هذا في النذر"، وهو قول أحمد بن حنبل.

الشرح: هذا الحديث الكلام عليه من وجهين:

الأول: في متنه الذي ذكره المصنف - رحمه الله- «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَام عَنْهُ وَلِيُّهُ»، وهذا الحديث يُفيد العموم؛ ووجهه: أنَّ صيام نكرة في سياق الشرط فيصفى، فمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ قَضاء من رمضان، أو صوم نذر، أو كفارة صَامَ عَنْهُ ذلك كُلّه وَلِيُّهُ.

وهاهنا أمر: وهو أن هذا الذي مات وعليه صيام؛ له حالتان:

أحداهما حالة التفريط والتسويف؛ كان يُمكنه القضاء لكنّه سوّف، كان مريضًا فشُفي، أو كان مسافرًا فحطَّ رحاله عن السفر حتى مات وهو مُفرِّط، فهذا هو الذي يصوم عنه وليه لأنه دَيْن، ووليه: الوارث من زوجته وأولاده وبناته، ولهم أن يقتسموها فيصوم كل واحد ما تَيَسَّر، ولا يحلُّ لهم أنّ يصوموا يومًا واحدًا، لا، إذا قلنا إنهم عشرة ذكورهم وإناثاهم، زوجه وأولاده وبناته تسعٍ فتكون هي العاشرة، فمثلًا تبدأ الزوجة في اليوم الأول، والثاني فإذا أفطرت صام الذي بعدها يومين، وهكذا.

وقال بعضهم: يجوز لهم إذا لم يمكنهم الصيام أن يصوم بعضهم، هذا لا إشكال فيه، لكنّ الإشكال في قول بعضهم: لهم أن يستأجروا إنسانًا يصوم، ذكرًا أو أنثى، رجلًا أو امرأة، والله أعلم.

أما أنا فعلى وجوب الصوم على أوليائه، كما قَدَّمت.

الحالة الثانية له: ألاَّ يتمكن من الصيام، كأنّ تكون أسفاره كثيرة متتابعه لابد منها يطلب منها كسب العيش، أو أوامر تصدر عليه من الحاكم، فلم يجد وقتًا يصوم فيه، أو كان مريضًا أفطر أيامًا من رمضان مثلًا للمرض، فشُفِيَ شفاءً لم يتمكّن معه، أو استمرّ به المرض حتى مات؛ فليس عليه ولا على وليّه قضاء، يؤدِّى الله عنه - إن شاء الله تعالى- هذا هو الوجه الأول.

الوجه الثاني: فيما ذكره المصنف - رحمه الله- من رواية أبي داود قال: "هذا في صيام النذر" وذكر أنه مذهب أحمد بن حنبل.

والجواب عنه أولًا: الروايات التي يُفهم منها النذر منها:

أن رجلًا قال: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ))،وفي رواية قال: ((وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ))، فأمره أن يصوم قال:)) :أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ)).

ولكن هذا يُجابُ عنه بأنَّ صوم النذر هو فردٌ من أفراد الصيام في قولهِ - صلى الله عليه وسلم-: « مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» فلا وجهَ لتخصيصهِ بالنَّذر.

القارئ: المسألةُ الثامنة: عَنْ عبدالله بْنِ عَبَّاسٍ - رَضيَّ اللهُ عَنْهُما- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ» لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ:نعم، قالَ: «فَدَيْنُ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضى))، قالَ: وفي رواية: (جاءت امرأة إلى رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالت يَا رَسُولَ اللهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذر، أَفأَصومُ عَنْهَا؟ فَقَال: فَقَالَ : أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكَانَ ذَلِكَ يُؤَدِّي عَنْهَا ؟ فَقَالَتْ : نَعَمْ، قَالَ : فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ)).

الشيخ: هذا الحديث بروايتيه لا مُعارَضَةَ بينهما ولا مُنافاة، فالجمعُ بينهما ممكن بالتعدد يعني بتعدد السائِلين، فمرة سألهُ رجل، ومرة سألتهُ - صلى الله عليهِ وسلم- امرأة؛ هذا أولًا.

ثانيًا: أفادَ الحديثان قضاء الصوم عن الميت، وبهذا لا يكونُ مُعارَضة بينهما وبين حديث عائشة، يعني بين الروايتين وحديث عائِشة، فحديثُ عائِشة عام، وهذا الحديث بروايتيه خاص، فردٌ من أفراد العام، فيتحصّلُ من المجموع، مجموع الأحاديث ما قَدَّمناه من وجوبِ قضاء الصومِ عن الميت، وقد فَصَّلنا القول في ذلك بما فَتَح اللهُ بهِ علينا.

وفي الحديثِ نُكتة بلاغية، وهي قولهُ- صلى الله عليهِ وسلم-: (لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أكنتَ قاضيهُ عنها؟)، وقوله للمرأة: (لوكان على أمك دينٌ فقضيتهِ عنها ) إلى آخره، دليلٌ على أنَّ قضاء صوم الفرض واجب وأنهُ دَيْن، وهذا من ديون اللهِ على خلقهِ، ودليلهُ على القياس أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَبّهَ ما يعرفهُ السائلان وهو قضاءُ الدَّيْنِ عن المخلوق بما لا يعرفانهِ وهو قضاء دَيْن الخالِق، فكلٌّ من السائِلَيْن يعلمُ أن دين المخلوقِ واجبُ القضاء، وإنَّ ما أشكَلَ عليهما قضاءُ دين الخالِق، فشَبَّه النبي-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هذا بهذا، وهذا من أدلة القائِلين بالقياس، وشروط القياس ومتى يُستعمَل هذا مبسوطٌ في علم الأصول.

القارئ: شيخ وجعله من قياس الأَوْلى قال (أحقّ).

الشيخ: لا، لا، هو كما قُلتُ لكم - إن شاء الله تعالى- تشبيه هذا بهذا ولا منافاة، كذا من قال قياس الأولى كذلك، لكنَ المَقصود، يَعني المقصود البَسط كما ذَكرتُ لَكُم إِن شاءَ الله، وقد أَفدناهُ مِن عُلمائِنا.

القارئ: المَسأَلةُ التاسِعة: عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ)

الشِيخ: هذا فيهِ حَضٌّ عَلى تَعجيل الصَائِمِ فِطرهُ، وَ أَن تأَخير الفِطر كَما يَظُن بَعَضُهم مَن أَنهُ بَابِ الإِحَتياط بِغيرِ مسوِّغ هذا بِخلافُ سُنةُ النَبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لكن متى؟ ما حدُّ تَعجيل الفطر؟ الذي رَتّب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الخيريةَ عليه؟ هل هو مُجمل حتى يذهب كُل إِنسانٍ فيه مذهبا أَو هو مبين؟ سيأَتي إِن شاءَ اللهُ تعالى.

القارئ: المسأَلةُ العاشرة، عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ).

الشيخ: هذا بيان، هذا الحديث حديثُ عُمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيانٌ لحديث سَهل قَبلَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فكَأَنَّ قائِلًا قال: متى يُعجل الصائِمُ فِطرهُ، حتى يكون بخير؟ فجاءَ البيان في حديث عُمَر، وهو أَنه (إذا َغَرَبَتِ الشَّمْسُ) الليل يُقبل من جهة والنهار يُدبر من جهة.

وها هُنا مسأَلة نرى من واجِبنا التنبيهُ إِليها، وهو أَن بَعض الناس يُشَدِّد فيُفِطرُ قبلَ أَهل بلده.

ونقول:

أَولًا: رؤية غروب الشَمس في المُدن مُتعَذِّرة، لأَنه بِمُجَرَّد حلول الليل تُسرَج الإِنارة في البلدِ كُلِهِ، فَنُوصِي مَن كانَ في البلد أَن يُفطِرَ مع قومهِ فلا يتقدم عنهم ولا يَتأَخر.

هذهِ حالة، وحالةٌ أُخرى: وهي من كان في البرية يرى بالعين المُجَرَّدة إِقبالَ الليل وَإِدبار النهار، يرى غروبَ الشِمس فَهذا لَهُ رؤيتُه.

وَكذلِك الفجر، طلوع الفجر؛ رؤية الفجر الثاني في المدن متعَذِّرة وَأَمَّا من كان في البرية فإِنه يَرى طُلوع الفَجر الصادق وهو الفجر الثاني، يراهُ بالعين المُجَرَّدة فَهو يُفطر على رؤيتِهِ غروبَ الشمس إِقبالَ الليل وإِدبار النهار، وكذلكَ يمسكُ وهي ظهور الفجر أَو إِستِبانة الفجر الثاني، في حالتِهِ التي هي البرية.

 

القارئ: باركَ الله فيكم شَيخنا وَ نفع بكم الإِسلامَ وَ المُسلمين، هل فيه وقت للأَسئِلة.

الشيخ: إِعرضوا ما تيسر حتى لا يطول الوقت، ولقد طال الوقت على الإِخوان ولا نُحب أَن نحجزهم لكن هات سؤالين ثلاثة، ثم إن شاء الله نأَتي عليها في الجَلسات القادِمة.

 

السؤال الأَول:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الأول؛ امرأة تسكُن بِفرنسا وَتُريد أَن تُطعم عن الأَيام التي لم تَصمها من رَمضان تريد أَن تطعم في بلدٍ مسلم؛ فما صِفةَ هذهِ الفدية؟

الجواب:

السؤال هذا يا بنتي مُجمل، فلمَ تُبَيِّني لنا حالكِ، فهل أَنتِ مريَضَة مرضٌ لا يُرجى شِفاؤُه، أَم أَنتِ أَفطرتي لمرض ثُم زال المرض شُفِيتي؟ هذا مُجمل ولا أَستطيع أُفصل لأَن بعضَ الأَعاجم اللذين لم يَحذقوا فهم اللغة العربية يُشكل عليهم، فابعثي بِسؤالِك -بارك الله فيك نُجيب عليهِ في الجَلسةِ القادمة - إِن شاءَ الله تعالى-.

ابعثيهِ مُبَيّنًا بيانًا لا لبس فيه.

 

السؤال الثاني:

يقول السائِل رجلٌ يريدُ أَن يَصومَ رمضان في السعودية والنِصف الآخر بلده فَيقول أَحيانًا بلده يَتأَخر عن صيام رمضان بيوم بِخلافِ البُلدان الأُخرى، يقول: فماذا سأفعل إِذا رَجعتُ إِلى بلدي في النصف الأَخير من رمضان؛ هل يُكمل الشَهر مع بلده أَو مع البلد الذي بدأَ معهم؟

الجواب:

هذِهِ لابد فيها من البيان، وهو أَنه لكم حالتان:

الحالة الأُولى: أَن يوافِق فِطركم فطر البلد الذي صمت فيه والظاهر أنهُ قال السعودية كذا ؟

القارئ: نعم.

الشيخ: فهذا لا إِشكال فيه.

الحالُ الثانية: أَن بلدكم تأَخَّر في الرؤية، عن السعودية يوم أَو يومين ففي هذه الحال أَيضًا أَنتَ بين حاليْن؛ إِحداهُما: أَن تُكمِلَ ثلاثين يوما، فإِذا أَكملت ثلاثين يوما فأَفطر.

والحالُ الثانية: ألا تكمل ثلاثين يوما فأَنت تَصوم مع بلدك حتى تكمل ثلاثين يوما، ولا تزيد على ذلك.

يَعني قُلنا في:

الحال الأُولى: أَن يُكمّلَ بلدك ثلاثين يوما فأَنت تَصوم معهم وتُفطر معهم.

الحال الثانية: أَن يَكونَ صَيامَكَ في السعودية مَع صِيامكَ في بَلدَكَ يُكمِل ثَلاثينَ يَومًا فَأَفطِر بعد ذلك ولو سِرًّا، والله أَعلم.

 

السؤال الثالث:

من كان عليها صومٌ من رَمضان لكِنها لا تستَطيعُ الصِيامَ، وقد أَدرَكها رَمَضان؛ فماذا عليها أَن تفعل؟

الجواب:

تَصوم بَعدهُ ما دامت لا تستَطيع الصيام، غَير قادرة عليه، فالأَمر فيه - وللهِ الحمد- سعة، تصوم بَعدَ رَمضان.

وَبِهذا القَدر نَكتَفي لأَن الوقت قد طال، وَسامحونا باركَ اللهُ فيكم، لأَنهُ الظاهر قد خرج عن عادتنا التي تعودناها معكم.

 

وصَلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آلهِ وَ صحبهِ أَجمعين والسَلامُ عليكم وَ رحمة الله وَبركاته.

الشيخ: 
عبيد بن عبد الله الجابري