هذا يسأل يعني التوجيه بِحَث أبنائِنا وإِخواننا على الحفظ.
هذا الذي نحث عليه دائمًا وأبدًا وقد أكثرنا من الكلام فيه حتَّى يمكن مَلَّنا بعض من يستمع إِلينا، لابدَّ من الحفظ فهذا الدِّين مُدِحَ أَهلُه بأنهم حافظون له ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ والنبي - صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما في الحديث الذي تلوناه قبلَ قليل ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ)) فلابُدَّ من الحِفظ، وإذا لم يكن حفظ فالمنثور هذا الذي تقرؤُه يتَفَلَّت والحفظ هو الأصول التي تبقى معك والحفظ هو المال الذي في جيبك للنفقة دائمًا وأبدًا، وأَمَّا الكُتب الكبيرة فهذه مثلها الأموال في الخزائِن؛ أنتَ ما تستطيع أن تحمل المال الكثير معك دائمًا وأبدًا، لكن الذي في النفقه للنفقة في جيبك دائمًا وأبدًا فالذي للنفقة هو المحفوظ والذي يشبه الأموال الكثيرة في الخزائن هو الذي في الكتب هذا تراجعه عند البحث للمسائل والتقرير للمسائل وبسط أدلتها وبيان الراجح منها من المرجوح عند التَّأليف، أمَّا ما يتعلق بتعليم النَّاس وإِفتاء الناس وإفادة للناس والإجابة علىٰ ما يعن للناس من مشكلات ومعضلات فهذا إِنَّما الأصل فيه الحفظ فإذا كنت غير حافظ كيف تُفيد الناس.
فعلمي معي أينما يَمَّمت أَحمِلهُ صَدري وعاءٌ لهُ لا بطنُ صندوقِ.
إِن كنتُ في البيت كان العلم فيهِ معي أو كنتُ في السوق كان العلم في السوقِ.
ما تقوله انتظرني لو سألك في السوق حتىٰ تروح البيت وتراجع وتأتي تفيده هذا مو جالس لك ينتظر في السوق تفيده من المحفوظ.
والحفظ له أسباب كثيرة منها: مراقبة الله - جلَّ وعَلا - في السر والعلن وتقواه -سبحانه وتعالىٰ- والإطِّراح بين يديه ودعائِه - جلَّ وعز - أن ينوِّرَ قلبك وأن يمنَّ عليك بهذه الحافظة وأن يمن عليك باستعمالها في النافع.
وأيضًا الإفادة في هذا بالمراجعة مداومة النظر وأيضًا كلَّ ما بكَّر الإنسان في الحفظ في أول سِنَّه كان ذلك أدعىٰ إلىٰ الحفظ لأن البخاري – رحمه الله - لمَّا سُئل عن هذا؛ سألوه عن سبب الحفظ قال: "شرخ الشباب ومداومة النظر"، فالسِّن المبكرة لاشك أنَّ الحافظة معها قوية ومداومة النَّظر لاشك أنَّها تُورث الحفظ.
ولا يُملنَّك ما تكرَّر لعلَّهُ يحلو إذا تكرَّرَ
وما تكرَّر تقرَّر، فالإدمان والمراجعة والنظر يستقر في ذهنك وفي قلبك كثيرٌ من العلوم، وإن كنت لم تقصد إليها وإن كانَ الأصل هو الحفظ فالشباب وقتهم وسنّهم يجب أن يُصرف في الحفظ والاعتناء بالحفظ؛ كتاب الله وسنة رسول الله - صَلَّىٰ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومتون العلم التي مُتِنت من كتب السُّنن هذهِ التي ذكرناها لكم قبل قليل فإن الإنسان إِنَّما ينبُلُ بِذلكَ.
أُرايَ أُنَسَّى ما تعلَّمتُ في الكِبَر ولستُ بناسٍ ما تعلمتُ في الصِّغر
ولو فُلق القلب المُعلم في الصِّبا لأُرجِيَ فيه العلمُ كالنقش في الحجر
وما العلمُ بعد الشَّيب إِلَّا تعسفٌ إذا كَلَّ قلبُ المرءِ والسمعُ والبصر
وما المُرءُ إِلَّا حُسن عقلٍ ومنطقٍ ومَن فاتَه هذا وهذا فقد دَمَر
فلابُد من أن يعتني في حالِ شبابه يعتني بالمتون ويحفظ منها ما استطاع بل يحفظ في كل فنٍّ متنا.
إذا لم تكن حافظًا واعيًا فجمعُكَ للكتب لا ينفعُ
لابد أن تحفظَ في كلِّ فنٍّ متنًا هذا هو الأصل الذي تؤصِّلُه والشروح عليه تنوِّره فيما بعد، لكن هذا الفن هذا المتن تستحضره وقت الحاجة فالحفظ هو الذي يبقىٰ مع صاحبه؛ فأنا أحث أبنائي علىٰ هذا.