جديد الموقع

888560

الجواب: 

الشيخ: الحمدلله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على نبينا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وإلى قراءة الحديث المختار لجلسة هذا اليوم.

القارئ: بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله  وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد، فاللهم اغفر لنا ولشيخنا ووالدينا والسامعين.

قال الإمام البخاريُّ - رحمه الله- في صحيحه في (كتاب الرِّقاق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ فَوَافَتْهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ) وأخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق.

الشيخ: هذا حديثٌ عظيمٌ، كبيرُ القدر، يحوي فوائد جمَّة.

الفائدة الأولى: أن أهل البحرين - وكانت تُطلَقُ على الأحساء وما يُعرف اليوم بالبحرين وغيرها- لم تكن من أهل الإسلام، بل كانوا من النَّصارى وفيها من اليهود من فيها، فَصالحهم رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على الجِزية، وهذه سُنَّة سَنَّها رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فالآبونَ عن الإسلام، وعن الدُّخول في الإسلام قسمان:

- قسمٌ يَرضَوْن بفرضِ الجزية عليهم، مع بقائهم على ما هم عليه، فَيُقِرُّهم الإمام القائم على ذلك ويأخذ الجزية منهم.

- وقسمٌ يأبَوْنَ الدخول في الإسلام ويأبَوْن الجزية، فيقاتِلُهم الإمام القائم.

- وثمَّةَ قسمٌ ثالثٌ، وهو من بينهم وبين إمام المسلمين مواثيق وعهود، فهؤلاء يَبْقَوْنَ على ما هم عليه وإن لم يدفعوا جزية، والقاعدةُ العامة، أن درء المفاسد مقدَّمٌ على جلبِ المصالح، إذا ترجَّح، وهذا مرَدُّهُ إلى شرع اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-، إلى مُحَمدٍ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حياته، إلى شخصه، وإلى سُنتهِ بعد مماته، وبهذا يُعلم أنهُ ليس لكُلِّ أحدٍ أن يرفع لواءَ حَرْبٍ على من ليس مُسلمًا من يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي أو غيرهما، بل هذا لِحُكامِ المسلمين، هم الذين ينظرون ومن معهم من أهل العِلم والفضل، أهل الفقه والرسوخ في السُّنة ويُقرِّرون، وبقيةُ المُسلمين تبعٌ لهم. 

ثانيًا:  يجوزُ لذوي الحاجات، من فُقراء ومَسَاكين، أَن يَطلبوا من بيتِ مالِ المُسلمين عن طريق حاكمهم، والحاكم القائِم يُعطي مِمَّا هو في سَعَتِهِ، ولاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، فإِذَا أعطاهم الإمام قَبِلوا، وَإِنْ لَمْ يُعْطَهم لم يَسْخَطُوا، وقد ذمَّ  رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتوّعد بوعدِ الله من كان مُبايعتُهُ للحاكم الإمام المُسلم من أجل الدُّنيا، إن أعطاهُ منها رضي، وإن لم يُعطهِ منها سَخِط، وذكرهُ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في " ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ , وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ, وَلا يُزَكِّيهِمْ, وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" وأُسُّ الخوارج، وذو الخويصرة، الذي ثار في وجهِ أكرم الخلق - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثارَ في وجهِ محمدٍ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثارَ من أجل عرض الدُنيا، "اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ" هكذا قال، "والله إنها قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ" فقال رَسُولَ الله - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَيْحَكَ" أو قالَ " وَيْلَك، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ ".

أما الْأَنْصَارُ - رَّضِيَ اللّه عَنْهُم- وقُرَيْش، أعني الْأَنْصَارُ والمهاجِرينَ من قُريش، لما قَسَم النَبِي - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- القسمةَ وأعطى بعض صَنَادِيدَ العرب، ومن أجلِ ذلك اعترض عليهِ هذا الخبيث اللئيم، وما هو من أهل الإيمان في شيء، بل هو مُنافق، وإن كان من أهل الإيمان ظاهرًا، تَغَضَّبَت أول الأمر فقال النَبِيُّ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "إِنَّمَا أَتَأَلَّفُهُمْ" فَسَكنوا - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَ-  لِعِلمِهِم أن رَسُولُ الله - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَمِل بأمرِ الله، وعمل لمصلحةِ الإسلامِ وأهلهِ، ومن هنا تعلمون - بارك اللهُ فيكم- أنَّ أهل الثورات الذين تسمعون بهم، ما بين الفَيْنةِ والفَيْنة، لا يثورون من أجلِ شرعِ الله، ومن أجلِ تحكيم كتاب الله وسُنَّةِ  رَسُولِهِ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وإنَّما من أجلِ الدُنيا والمناصب، فلو كانت تحكُمُهم شريعةُ الله، وتحكُمُهم سُنةُ محمد - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لانشغلوا بأنفسهم وسَعَوْا في مناكب الأرض وطلبوا القوت بما أتاهُم اللهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - من وسائِل التكَسُّب.

وعلى سبيل المثال معارضوا سوريا ماذا صنعت ثورتهم؟! لم يثوروا على بشار الملعون ابن الملعون، بشار ابن حافظ الأسد الكافر ابن الكافر، من أجل جهاد كافر ومسلم، أو جهاد بين كافر ومسلم، لا، ليس من أجل العقيدة، فلو كانت تحكمهم سُنَّة رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لتَرَكُوه وشأنه.

فالآن انظروا سوريا - فَرَّج الله عنها ونفس كُربتها- ما بين قتيلٍ وشريد، حتـى أنهم وصل بهم الأمر أو ببعضهم إلى أن يأكلوا القطط خارج سوريا، وقد كانت سوريا - فَرَّج الله عنها- بلدُ خيرات وأمن وأمان، خَيْراتُها واسعة، يرتادها من يرتادها من المسلمين وغيرهم للنَيْلِ من خيراتها، بأرخص الأسعار سكنًا وأكلًا وغير ذلك والآن أين هي؟ دُمِّرت.

ومن فوائد هذا الحديث أنَّ الإمام إذا تَعَرَّض له من يتَعَرَّض، أو يأتيهِ من يأتي للنيل مِما عنده أن يُبشرِهُم بالخير، ويُدخِل السرور عليهم، ويُثلِج صدورهم بالكلمات الطيبة، ويُعطي بقدر مُكْنته كما قَدَّمنا، لا يجب على الإمام أن يوظف الناس كُلّهم، ولا أن يُنفق على الناس كُلهم، هذا حسب قدرته، ثم في عصر اليوم ليست المسألة مقصورة على الأُعطيات من نقود وطعام وغيرها، واجبات الحاكم كثيرة، شؤون صحية، شؤون اجتماعية، شؤون خدمية، إنفاق على جيش لسدِّ الثغور وغير ذلك.

فالآن يُعاني المُسلِمون حُكَّامًا ومحكومين - إلا من رحم الله- خَوارج هذا العصر، داعش ومن لفَّ لَفَّها، فهي تُكلِف الحُكَّام ما لا يعلمه إلا الله من الجَهد في المال، وتوفير العساكر ذوي القُدُرات على صَدّ العدّو، وهذا البلد خصوصًا هو المستهدف لأنه قِبلةُ المُسلمين، ومنه انطلقت رسالة محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فمن ظَفَر بأهله - ونسأل الله أن يصدّهم ويجعل كيدهم في نحورِهم- دانت له جميع أقطار المسلمين، فلا تستغربوا يا أهل الإسلام أن يُستَهدَف هذا البلد وأهله، وذنبهُ أنهُ بلدُ التوحيد والسُّنَّة، فوالله وبالله وتالله لا يُوجد بلدُ توحيدٍ وسُنَّة حكامًا ومحكومين إلا أهل هذا البلد، نعم؛ في بقية الأقطار الإسلامية كثيرٌ - ولله الحمد - من أهل التوحيدِ والسُّنّة، أما التأسيس فلا، وقد بَسَطْتُ لكم من خلال عرضنا ونقدنا لقاعدة المعذرة التعاون أن في كثيرٍ من بلاد المسلمين عبادة القبور والتقرّب لها والنذر لها غير ذلك، هذا البلد هو بلد التوحيد والسُّنَّة بحُكَّامه وأهله، فتفطنّوا يا أهل الإسلام من المواطنين في هذا البلد ومن الوافدين علينا، وأذكر لكم مثالًا وقد ذكرته كثيرًا، أنه لَمَّا حدث غزو صدام البعثي الملعون الكافر المُلحد للكويت، أهل السُّنَّة في الهند وباكستان وغيرهما يدعون لنصر حكومة المملكة العربية السعودية، وينشرون ما يقدرون عليه من كُتب ونشرات مطويات، لماذا؟ لأن هذا البلد هو بلد التوحيد والسُّنة.

وفيه من الفوائد تحذير النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من الدُّنيا، ولهذا قال:"فوَاللهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُمْ" نحن نلمس - فيما زُرْناه من بلاد المسلمين من شبه الجزيرة وغيرها- أنَّ أكثر من يعتاد المساجد، ويتحلَّقُ حول المحاضرات والدروس، وتمتلئ بهم مساجدهم، أهلُ قِلةِ ذات اليد، ليس عندهم شيءٌ يُشغلهم، هذا أولًا أول تحذير، فكأن سائلًا سأل: لماذا يا رسول الله؟ قال: "أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عليكُمْ كما بُسِطَتْ على مَنْ قبلَكُم فَتَتَنافَسُوها كَما تَنافَسُوها فتُهْلِكَكُمْ كما أهلَكَتْهُم" في رواية، وهذه الرواية التي بين أيدينا"أَلْهَتْهُمْ".

 أقول: ما يُؤتاه الناس من متاع الدنيا قسمان، وأعني به الدراهم والدنانير،قسمان:

- قسم: في الجيب، ينفق منه أهله في وجوه الخير، سلطّهم الله عليها فَأَهلَكُوها في الحق، فهؤلاء لا تضرهم الدُّنيا.

- القسم الثاني: من تَغلغَلت الدُّنيا في قُلوبِهم، واستحوذت عليهم، وشغلتهم عن الآخرة، فلم يَعودوا يعرفون معروفًا، ولم يعودوا ينكرون منكرًا إلا ما أوتوه من الدُّنيا، واسمعوا؛ قال رَسُول الله-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَمَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَنَاءَ النَّهَار وَيَعْرِفُ للهِ فِيهِ حَقَّه، ويَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ آتَاهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ كان لِي مِثْلَ مَالِ فُلَان لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، أو قال: لَوْ كَانَ لِي مَال لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، قَال: فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ".

فالأول: غَنيٌّ شاكِر يُنفِقُ مِمَّا آتاه الله، يَعْرِف في ماله حقّ الله، وحقّ عباده فرفعه ذلك إلى أعلى المنازل.

والثاني: فقير صابر، نيته صادقه فبَلَّغه الله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- مبلغ ذاك بنيته الصادقة, وبهذا يعلم أَنَّ النيَّة الصادقة يَبْلُغُ الله بِها صَاحِبُها مَبلَغ الْعَامِلِ , وفي هذا أحاديث كثيرة؛ قال :"وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فهوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ الحقّ, لاَ يَتَّقِّ فِيهِ رَبَّهُ ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقَّهُ فَذلك بِأَخْبَثِ المَنَازِلِ، وَعَبْدٍ لَمْ يُؤْتِه اللَّهُ عِلْمًا وَلَا مَالًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَفَعَلتُ مِثلَ فُلَانٍ"، يعني لماذا؟ ماذا يريد؟ أن يتخبط و يرتع في المال غير عابىءٍ بحقٍّ لله ولا لعباده, فبلغ بِنِيَّته الخبيثة مرتبة ذاك الخبيث، لُعبة الشيطان, ثم الناظر في مُؤْثِرة الدُّنيا والانشغال بها، ماذا يرى من أحوال الناس؟ كم من رَحِمٍ موصولة فقُطِعَت! وكم من ظُلمٍ كان من هذا المُؤْثِر على الآخرين فتَعَدَّى على أموالهم بما قَدِرَ عليه! وكم من صداقه تَحَوَّلت إلى عداوة! وكم من محبة استحالت بُغضًا! وكم من نفسٍ أُزْهِقت من أجل الدُّنيا لأتفه الأسباب! فاعتبروا يا أولي الأبصار، وجاهدوا أنفسكم على الزُّهد في الدُّنيا، وأن لا تتجاوزُ ما أَحَلَّه الله لك أيها الناصح لنفسه الحازم في أمره.

فكَوْن العبد يسعى في تحصيل ما طاب له من المطاعم و المشارب و المناكِح على الوجه الصحيح, وإعفاف نفسه وأهل بيته فلا ضير عليه، و لا حَرَج عليه؛ ليكسب من الدُّنيا ما شاء من وجه حِلّه وإنفاقه في محابِّ الله ومراضيه من النفقة الواجبة وصِلة الرَّحم والبِرّ وجميع أوجه الخير.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

بارك الله فيكم شيخنا ونفع بكم الإسلام والمسلمين.

 

السؤال الأول:

السؤال الأول في هذا اللقاء، يقول السائل: ما حكم تخصيص آيات معينة لرقية العين، وآيات أخرى لرقية المس، وأخرى لرقية السحر؟

الجواب:

أنا لا أعرف حتى الساعة في هذا التخصيص دليلًا من كتاب ولا سُنّة، ولكن بالتجربة جُرِّب قوله تعالى، بالإضافة إلى آياتٍ أخرى أنها من أجمل الرُّقى من العين ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾  [القلم:52] الآية، كما جُرِّب أنَّ الآيات الواردة في السحر من سورة البقرة والأعراف ويونس وطه أنها من أنفع الرُّقى للسِّحر، وليس هذا على سبيل التخصيص فتفطَّنوا، كما جُرِّب أن آيات الوعيد الشديدة على المَس، يعني هي رقية شديدة من المسّ بالجنّ يعني رقية شديدة على الجن، والله أعلم.

ثم بعد ذلك السُّنّة كذلك المأثورة عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -هي رقية نافعة في جميع ما ذُكِر من الأدواء.

 

السؤال الثاني:

بارك الله فيكم، السؤال الثاني، يقول السائل: ما حكم هذه العبارة وهل هي صحيحة: "الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه"؟

الجواب:

ليست بصحيحة، بل ينبغي بل يجب على المسلم أن يقول: "الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا مُبَارَكًا كَمَا يَنبغي لجلاله" هكذا، أو يقول "اللهم إني أحمدك حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا كما تحب ربنا وترضى أو كما يحب ربُّنا ويرضى" الوارد عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- "الحمدلله حمدًا يليق بجلاله" وهكذا.

 

السؤال الثالث:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الثالث، يقول السائل: متى يكون قول (لولا فلان) جائزًا؟ ومتى يكون شركًا أصغر أو شركا أكبر؟

الجواب:

هذا يُنظر فيه إلى المتكلم ونيته، فإذا أراد مُجَرَّد السَّببية فأرجو أنه لا بأس به - إن شاء الله-، أمَّا إذا أراد الاعتماد المطلق فهذا لا يجوز، هذا ما تَيَسَّر عندي في الجمع بين الآثار الواردة في هذا، وقد صَحّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في عمه أَبي طَالِب قال: ((ولولا أنا لكان في الدَرْكِ الأَسفَل من النارِ)).

 

السؤال الرابع:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الرابع، يقول: أحسن الله إليكم نُشهد الله أننا نحبكم في الله .

الشيخ: أحبكم الذي أحببتمونا من أجله .

يقول السائل: هل يجوز الأكل من الذبيحة التي لم يُذكر اسم الله عليها عند الذبح؟ وهل يختلف الحكم إذا كان سبب عدم الذِّكر هو النسيان؟

الجواب:

التسمية على الذبيحة واجبة قبل التَّذكية، واجبة مع الذِّكر، وتسقط مع النسيان، ولا يلزم أن يكون المُسَمِّي هو الذابح، بل لو سَمَّى أحدُ الحاضرين لكفى ذلك.

 

السؤال الخامس:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الخامس، يقول: ما حكم الكحل؟ وما صحة الحديث الذي فيه كُحل الإثمِد؟

الجواب:

الحديث لا أعلمه حتى الساعة، فأرجو من كان عنده هذا الحديث صحيحًا فليبعثه إلينا مشكورا.

أمَّا الكحل فلا بأس به، والأثمد من الأكحال المعروفة، بل لعله هو أفضل الكحل لِمَا فيه من فوائد للعين؛ فأنه ينظف العين، ويجلو البصر، فيه فوائد جيدة، يعرفها أهل الطب.

 

السؤال السادس:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال السادس، هل من التأسِّي بالنبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ- استخدام المُدَّ النبوي الذي يُؤخذ بالسَّند في الطعام، وهل تحصُل به البركة لقوله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ- : "بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا "وهل لو لم أستخدم المُدّ النبوي، وأخذتُ مقدار المُدّ بشيء آخر - بالملعقة مثلًا- هل تحصُل به البركة؟

الجواب:

أولًا: المُدّ يُستخدم في البيع والشراء، والكفَّارات، ولم أعلم أن أحدًا قال في البيت، يعني إذا أراد شخصًا، أو أرادت المرأة أن تُجَهِّز طعام أهلها أن تستخدم المُدَ، بل أهل البيت يستخدمون ما يحصُل به قوتهم؛ وجبتهم فطور أو غداء أو عشاء، إلى غير ذلك، والدُّعاء هذا مخصوص بأهل المدينة، النبي – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ – دعا هذه الدعوة لأهلِ المدينة، واللهُ أعلم.

القارئ: ورد يا شيخ أن النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ- كان يقيس به الزكاة في الفطر؛ فهل ينطبق ذلك؟

الجواب:نعم، نعم، نسيت الزكاة، يعني هو في الكفارات، في الزكاة، صاع، فالصاع المُعتَبَر في زكاة الفطر، هو صاع النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ-.

 

السؤال السابع:

أحسن الله إليكم شيخنا، السؤال السابع، يقول السائل: ما نصيحتكم لبعض الطلاب الذين يهملون الدروس في الجامعة؟ بعلّة أنهم يحضرون في الدروس الخارجية، مِمَّا أَدَّى إلى غياب بعضهم والحرمان، علمًا بأنهم جاؤوا بمنحة للجامعة.

الجواب:

أولًا: الدروس أو مواد الكليات، لها وقت معيَّن، لعله يبلغ رُبع النهار، والحلقات العلمية لها وقت مُعَيّن، فالطالب اللَّبيب يُسدِّد ويُقارب، حسب تجربتي وفهمي إمكان الجمع بينهما، فإذا بقي بينه وبين الاختبار شهر أو أقل من ذلك، فرَّغ وقتهُ للامتحان، لأنه إن جاء بمنحة وضيَّعها كان محسوبًا على دولته، وهذا خطأ، غِش، وإن كان بدون منحة ضيَّع ما من أجله دَرَسَ في الجامعة، والدِّراسة في الجامعة محسوبة، شهادتها مُعتَبرة.

والخُلاصة: نقول لأبنائنا من الطلاب: سَدِّدوا وقاربوا، فإذا بَقِيَ عن الامتحان شهر، فَرِّغوا أنفسكم للدروس الجامعية استعدادًا للاختبار.

 

السؤال الثامن:

بارك الله فيكم شيخنا، السؤال الثامن، يقول السائل: يا شيخ هناكَ بعض الأخوات عند خِطبَتهِن يَشتَرِطنَ في الخاطِب أن يكون طالِب عِلم مع العِلم بأن الخاطِب سَلَفي؛ فَهل لَهُن أن يَشتَرِطْنَ هذا الشرط؟ مع العِلم أن الخاطب مِمّن يُرضى دينُهُ وخُلُقه.

الجواب:

قال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إذا أتاكم مَن ترضَوْنَ دِينَه وخُلُقَه فزوِّجوه)الحديث، فهذا صحيحٌ بِمَجموعِ طُرُقِه، و أَقلُّ أحْوالِه أنَّه حَسن، فأنْصَحُ بناتِنا أن لا يُجاوزنَ ما حدَّهُ رَسُول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، سَلَفي صاحب سُنّة وإن لم يَكُن عندهُ علِم، لأنّ بعضهم تَشتَرِط رُبما اشتَرَطَت العِلم الغزير تقول طالب عِلم، وإنّما يكونُ ما عِندَهُ مِن سُنّة، حَسَنَ الخُلُق، وأَن يُعينَها على أمرِ دينها ودُنياها، هذا هو المُعتَبَر.

 

السؤال التاسع:

أحسَن الله إليكم شيخنا، السؤال التّاسِع، طالِب عِلم يسأَل يقول: إن والِده يمنَعُه مِن طلَبِ العِلم، ويُريدهُ أن يَرْجِع إلى البِلاد لِيشتَغِل لأنّهُ مُتَحَصِّلٌ على شهادة ويريدُهُ أن يَشتَغِل بها، مع أنَّ عِندَه إِخوَة باقونَ مع أبيه، وهم يَشتغِلون، فما نصيحَتُكم لهُ بارك الله فيكم؟

الجواب:

بَلِّغ والِدَك منّي السلام، أَقْرِؤهُ سلامي، وإني أَطلبُ إِلَيهِ أن يُعطيكَ الفُرصة الجَيِّدة لِتحصيلِ العِلم لدى مَن ترضاهُ مِن أَهلِ السُّنة في هذا البَلَد، وأطلُب إلِيْك أن تكونَ على صِلَة بِأَهلِك دائمًا أبَويكَ، على صِلَة، وأن تقضي لَهم ما يَحتاجونَ من النُّقود، تُحَوِّلها إلَيْهِم، فإذا قَدِرت على الاسهامِ في تعليمِ قَومِك فتوكّل على الله واذهَب إلى بلَدِك.

 

وبِهذا القَدر أكتفي هذا اليوم.

وصلى اللهم وبارك على نَبيّنا محمد وعلى آلِه وصَحْبِه أجمعين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبَرَكاته.

الشيخ: 
عبيد بن عبد الله الجابري