إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيْهِ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرورِ أَنْفُسِنا ومن سَيِّئاتِ أَعْمالِنَا، مَن يَهْدِه اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمّـدًا عَبْـدُهُ وَرَسولُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلى آلهِ وًأصحابهِ بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فيا معشرَ الإخوة يقول ربُّنا - جلَّ وَعَلا- مخاطبًا نبيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ومخاطبنا أيضًا، يقول - جلَّ وَعَلا-: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١]، هذه الآيةُ العظيمة في سورة آل عمران، بيَّنت هذا الأمر العظيم الذي يدَّعيه كثيرٌ من الناس، وبيَّنت برهان الصادقِ في دعواه، فيظهر بذلك الصادقُ من الكاذب، فالدعوة هي محبَّةُ الله - جلَّ وَعَلا- ومحبَّةُ رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ومحبَّةِ هذا الدين، ولكن لكل دعوى دليلٌ يدُلُّ على صِدق الُمدَّعي، وبَيِّنةٌ تُثبِتُ صِدقَهُ فيما ادَّعاه، فإذا تخلَّفَ ذلك دلَّ على أنَّ هذه الدّعوى مُجرَّد ادِّعاء، إذا خالف الواقعُ القول، فنسألُ الله العافيةَ والسلامةَ.
يقول-جلَّ وعلا-: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ﴾ أيها الناس، أيها المؤمنون ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه﴾ تزعمون محبّة الله - جَلَّ وَعَلا- وتدَّعون ذلك فاتَّبعوا رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحبِبكم الله، فاتِّباعُ النَّبِي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحبَتُهُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- هو محبَّةٌ لله -تَبارك وتعالى-، كيف لا؟ وهو رسوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -ومُصطفاه وخليلهُ - صلوات الله وسلامه عليه-، هو أشرف الخَلْقِ قاطِبَةً - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فمحَبَّتُهُ واجبة، بل لا يَصِحُّ إيمان العبد إلا بذلك.
جاء في الصحيح من حديث عبدالله بن هشام - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ- قال: كنّا يومًا مع رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فقال له عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا رسول الله لأنتَ أحبُّ إليَّ من كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَاللَّهِ لَأَنْتَ الآنَ يا رَسُول الله أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «الْآنَ يَا عُمَرُ»،﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه﴾ أداةُ شرطٍ وفعلُ شرطٍ جوابه ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قال: «الْآنَ يَا عُمَرُ»، محبَّتُهُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- هي أصلُ الإيمان، فهو رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- الذي أرسلهُ إلينا وإلى الناس كافَّةً بل إلى الإنسِ والجن، فبلَّغَ الرِّسالةَ وأدَّى الأمانة وهدى من الضلالة، وأخرجَ وبصَّرَ به من الجَهالة، وجاهدَ في الله حقَّ جِهاده حتى أتاه اليقين - صلوات الله وسلامه عليه- فكيف لا يُحبُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
ولقد ضرب أصحابُ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أروع المثلِ في هذا، فلقد كانوا- رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُم جميعًا- يبْتَدِرون أمره ويُعَظِّمًونه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويُعَظِّمًون نهيَهُ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ولا يُحِدّون أبصارَهُم في وجهه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-تعظيمًا له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كما جاء ذلك في حديث عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ في الصحيح، حينما أرسلته قريشٌ إلى النَّبِي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مُفاوِضًا له في صُلْح الحديبية، فرجع إليهم فقال: يَا مَعشَر قُرَيْشً، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ كِسْرَى وَ قَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ فما رَأَيْتُ أحدًا من أصحاب الملوك يُعَظِّمونهم كمَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ محَمَّدًا، وَاللَّهِ لقد رأيتُهُم إِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ ، وإذا انَّتَخَم ابْتَدَرُوا نُخَامَتَهُ فلا تقع إلا في كَفِّ رَجُلٍ منهم فدلك بها وجهه وجسده، وَإِذَا تَوَضَّأَ ابتدروا وَضُوئِهِ حتى يَقْتَتِلُونَ عَلَيه ، وما كان أحدُهُم يُحِدَّ بصرُهُم فيه إجلالًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، هذا حال أصحابِ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، يُعَظِّمون أَمرَه ويُجِلّونَه ويبتدِرونه، ويُعَظِّمًون نَهْيَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم – ويجتنبونه، فلا يفْتاتونَ عليه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، ثمّ إنَّهم بَيْنَ يَدَيْهِ في غايَةِ التَّوقير والاحترام والاستحياء منه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-حتّى إن بَعْضُهُمْ يقول: (والله لو طُلِبَ منّي أنْ أصِفَهُ ما استطعت)، لأنهم كانوا يستحيون من أنْ يحُدُّوا أنظارَهُم في وجهه - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إجلالًا له وتعظيمًا له ومَهابةً مِنْه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكانوا يُعَظِّمونَهُ غايةَ التَّعظيم، ويغضبونَ له - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-غايَةَ الْغَضَب إذا نيلَ منه، فلقد جاء في الصحيح أيضًا من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ - في يَوْمَ بَدْرٍ، قال: لمّا كنتُ في يَوْمِ بَدْرٍ، وقفتُ بَيْنَ شابَّيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِحَدِيثَة أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا ، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ، قَالَ قُلْتُ نَعَمْ وَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الْأَعْجَل مِنَّا، قَالَ: فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ مِثْلَهَا قَالَ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَزُولُ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ أَلَا تَرَيَانِ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسْأَلَانِ عَنْهُ قَالَ فَابْتَدَرَاهُ فَضَرَبَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا حَتَّى قَتَلَاهُ.
فهذا هو التعظيم له - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -غضِبَ هذان الشابَّان لهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- حينما بلغهما أن أبا جهلٍ كان بمكةَ يتنقّص رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ويسُبُّهُ وينالُ منه، وهما بالمدينة، فلما جاءت المعركة وهيَّأ الله وروده، أخذا بحقّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من هذا الباغي الظالم الفاجر الكافر، شابَّان، يقول عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –: تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، يعني بين من هو أقوى، ما ظنَّ أنهما بهذه القوة، ولكن القوةُ هي قوة القلوب، قوة النفس والإيمانُ بهِا، "وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِبارًا, تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ".
فيا معشر الإخوة محبةُ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أصلُ هذا الدين، لا يقومُ الدينُ إلا عليها، فهو الذي هدانا اللهُ بهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ومحبتهُ معشر الأحبة، تكون بإتباعهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وتعظيم أمره، والإنتهاءِ عن نهيه، وإتباعِ سُنَّته، تقديم محبتهِ على النفسِ والأهل والولد، كما سمعنا في حديث عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- ومن علاماتِ محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن تتمنى أيها المؤمن رؤيته، فقد جاء في الصحيح، عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنهُ قال: «مِن أشدِّ أمَّتي لي حبًّا، ناسٌ يَكونونَ بَعدي يودُّ أحدُهُم لَو رآني، بأَهْلِهِ ومالِهِ»،ونحنُ نُشهدُ الله، أنا واللهِ كذلك، لو رأيناهُ بأهلينا وأموالنا، فرؤيتهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- من أعظم المَغانم، ففيها شرحُ النفوس والصدور، وبهجةُ النفوس، وحياة القلوب، كيف لا! ومن كان من صحابتهِ – عليه الصلاة والسلام- قد فازوا بالرضا من ربّ العالمين -جَلَّ وَعَلا- ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح 29 ].
﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة 100].
كيف لا يكون رؤيتهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مُتمناةً وهذا أجرها معشر الأحبة، إن من دلائل المحبةِ وصدقها معشر الأحبة،أن تُقدم محبة هذا النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على محبةِ النفس فضلًا عن الأهل والولد، ومن علامات محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ودلائلها تعظيمهُ - عليه الصلاة والسلام- وتعظيمُ أمرهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على أمرِ من عداه، ومن علامات ودلائل محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تقديمُ أمرهِ على أمر غيرهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ، ومن علاماتِ ودلائلِ محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اتباعهُ والعملُ بِسُنتهِ، ومن علاماتِ ودلائلِ محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الغضبُ لمن يطعنُ في سُنته، ومن علاماتِ ودلائلِ محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الغضبُ لهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إذا انتُقص أو نِيل منه، ويُقامُ على من نال منهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بما يستحقُ كما بين ذلك عُلماءُ الإسلام، ومن علاماتِ ودلائلِ محبتهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- القراءةُ لسيرته، والتأسِّي بهِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- وإتباعِ هديهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في الصغير والكبير، ومن علاماتِ محبتهِ ودلائلِ ذلك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن يُقام بهذا الأمر العظيم، الذي هو الدعوةُ إلى سُنتهِ، وردِّ البدع، التي أُحدثت مُخالفةً لسنتهِ-عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ومن دلائل وعلاماتِ محبتهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الإكثار من ذكرهِ والصلاةُ عليه،- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فإن أَوْلَى الناسِ به أكثرهم عليه صلاةً-صَلَّواتُ اللَّهُ وَسلامهُ عليه- معشر الأحبة إن دعوى المحبة، كُلُ أحدٍ يستطيعُ أن يقولها ولكن تطبيقها جللٌ واللهُ الموفق.
أسأل الله - جَلَّ وَعَلا- بأسمائهِ الحُسنى وصفاتهِ العُلا أن يجعلنا ممن صدق في دعواه فوافق عملهُ قولهُ، إنهُ جوادٌ كريم، كما اسألهُ -سُبحانهُ وتعالى- أن يثبتنا وإياكم على الإسلامِ والسُّنة ِ حتى نلقاه، وأن يُصلح أحوالنا وأحوالكم وأحوال المُسلمين أجمعين في كُلِ مكان، وأن يولي على المُسلمين خيارهم، وأن يكفيهم شرارهم، إنهُ جوادٌ كريمٌ وصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّم وبارك على عبدهِ ورسولهِ نبينا محمد.
السؤال الأول:
هذا سائلٌ يسأل فيقول: بارك اللهُ فيكم - وفيك أيضًا أيها السائل –يقول: سلامٌ عليك أقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ما معنى قولهُ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ»؟
الجواب:
يقول في ذلك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»، فالجندُ يتعارفون فيما بينهم، فلا يأوي الجُندي إلا إلى من يوافقهُ، وينفرُ من عدوِّهِ ويُحاربهُ، فهكذا النفوس، وهكذا الأرواح، إذا تلاقت في الإيمان والأخلاقِ والأعمال الصالحةِ، تقاربت الأبدان بالمُصاحبة، هذا معناه،
إن القلوب لأجناد مجندة ... قول الرسول فمن ذا فيه يختلف
فما تعارف منها فهو مؤتلف ... وما تناكر منها فهو مختلف
يقول الأصمعي - رحمه الله تعالى-: "إذا تلاقت القلوب تقاربت القلوب في النسبة تلاقت الأبدان بالصحبة".
إذا كان القلبُ صالحًا فلا يأوي إلا إلى الصالح، وإذا كان القلبُ طالحًا فلا يأوي إلا إلى الطالِح، فأصحابُ الفسقِ مُنجرٌّ بعضهم، ومنجذبٌ بعضهم إلى بعض، وأصحابُ الصلاحِ منجذبٌ بعضهم إلى بعض، وأصحابُ البدعِ والأهواءِ منجذبٌ بعضهم إلى بعض، وهكذا كُلُّ شيءٍ ينجذبُ إلى نظيرهِ، كُلُّ شيءٍ ينجذبُ إلى نظيرهِ،
الضدُّ يُظهرُ حُسنهُ الضدُّ ... وبضدها تتميزُ الأشياءُ
فإذا بعدت عن أصحاب الشّر عُرِفَ أنك من أصحاب الخير، وإذا اقتربت من أصحاب الشّر عُرِفْت أنك من أصحاب الشرّ. «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ»، يقولهُ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.
السؤال الثاني:
هذا يقول: السلامُ عليكم - وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته- يقول: أحسن الله إليك شيخنا، بارك اللهُ فيك، وشفاك وعافاك -جزاك اللهُ خيرًا وإستجاب دُعاءك- يقول: عندنا مُدرس يقول في مادة أصول الفقه، عندما تكلم على مسألة خلق القُرآن، قال هذه المسالةُ فيها خلافٌ، كبير والخلاف فيها مُعتبر، وقال بهِ أئمة، وقال في مسألةِ الاجتهاد، اجتهاد النبي-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصيبُ ويُخطي ولم يُفصل وهو في مادة الأصول؟
الجواب:
أقول: أما الشق الأول أو الشطر الأول من السؤال: إن كان كما ذكرته أيها الابن الكريم والأخ الكريم فهذا يدل على انحراف هذا المُدَرِّس، فيجب عليك وعلى زملائك أن ترفعوا الأمر إلى الجهة المسؤولة عنه، فإن مثل هذا لا يجوز له أن يُدَرِّس أبناء المسلمين، فإن الكلام في هذه المسألة إنما حدث بين أهل الإسلام وعسكر السُّنة والقرآن، أهل الإيمان وأتباع جَهْم بن صفوان طائفة وحزب الشيطان، القرآن كلام الله - جَلَّ وَعَلا- كلامه - جَلَّ وَعلا- المنزل على رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، منه بدأ وإليه يعود - سبحانه وتعالى- مُنَزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ مِنْهُ بَدَا وَإِلَيْهِ يَعُودُ، والذين خالفوا فيه إنما هم من أضلهم الله
ُ ثُمَّ القُرآن كَلاَمُ اللهِ لَيْسَ كَمَا ... قَالَ الَّذيْنَ عَلى الإِلْحَادِ قَدْ مَرَدُوا
جَعْدٌ وَجَهْمٌ وَبِشْرٌ ثُمَّ شِيْعَتُهُمْ ... أَلاَ فَبُعْدًَا لَهُمْ بُعْدًَا وَقَدْ بَعِدُوا
تَكَلَّـمَ اللهُ رَبُّ العَالَميْنَ بِهِ قَوْلًا ... وَأَنْزَلَهُ وَحْيًَا بِه الرَّشَدُ
نَتْلُوْهُ نَسْمَعُهُ نَرَاهُ نَكْتُبهُ ... خَطًّا وَنَحْفَظُهُ بِالْقَلْبِ نَعْتَقِدُ
وَكُلُّ أَفْعَالِنَا مَخْلُوْقَةٌ وَكَذَا ... آلاتُنَا الرَّقُّ والأَقْلامُ وَالْمُدَدُ
وَلَيْسَ مَخْلُوْقًا الْقُرآنُ حَيْثُ تُلِي ... أَوْ خُطَّ فَهْوَ كَلاَمُ اللهِ مُسْتَرَدُ
وَالْوَاقِفُوْنَ فَشَرٌّ نِحْلَةً وَكَذَا ... لَفْظِيَّةٌ سَاءَ مَا رَاحُوا وَمَا قَصَدُوا
فجَهْمَ وجَعْدُ و بِشْرٍ، هؤلاء هم اللذين خالفوا أهل الإسلام والإيمان وعسكر السنة والقرآن، فمن قال مثل هذا القول فهو ملحقٌ بهم ولا عبرة به، وينبغي أن يرفع أمرهُ إلى الإدارة لتأخذ على يديه.
وأما الشطر الآخر: فالنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: «مَا حَدَّثتُكُم عَنِ الله فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ» أمَّا أمور الدنيا فالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – يجتهد فيها ويصيب - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأحيانًا يقع له الخطأ، كما جاء في قصة توبير النخل، وهذا لا يضيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بل هو مَنقبة له، إذ هو القائل: «مَالِي وَلِلدُّنْيَا»، لا اختصاص له ولا اهتمام له بشأن الدنيا، وقال: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ»، العلم الحقيقي هو العلم بالآخرة الذي يقرب من الله –جَلَّ وَعلا-: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور﴾ [آل عمرن:185] [الحديد:20]، ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾[التوبة:38]،وقد خُيِّر-عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بين الدُّنيا والآخرة فاختار الآخرة، فهذا لا يضيره - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –، وعلى كلِّ حال الذي أوصي أخي وابني السائل هذا السؤال أن يرفع هذا الأمر هو وإخوانه إلى الجهة المختصة لعلَّهم يأخذون على يَدِ هذا المُتَكَلِّم.
السؤال الثالث:
هذا يقول: أحسن الله إليكم –وإليك- يقول: أوصى النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحسن العشرة للنساء، فكيف تكون حسن العشرة لهن على كثرة أخطائهن؟
الجواب:
تكون حُسن العشرة معهنَّ أولًا بالصبر عليهنَّ وبتعليمهنَّ وتأديبهنَّ وإلزامهنَّ بالشرع كتابًا وسُنةً.
ثم بعد ذلك يكون بالتودِّد إليهنَّ بحسن الكلام وطيب المعاشرة والهدية ونحو ذلك، ثم يكون أيضًا بالرِّفق، إذا صدر منهن الخطأ، فإن المرأة تتحمَّل في البيت ما تتحمله فربما وقع عليها من الضغط ما يؤدِّي إلى الخطأ، فيجب عليك أن تُحْسِنَ إليهن، لأن الله - جلَّ وَعَلا- قال ذلك، قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:19]، فأمر بالعشرةِ لهن بالمعروف، وأن تبتعد عن ضربها لو أخطأت في حَقِّك، فإن عَائِشَةَ أمُّ المؤمنينَ- رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُا- تقول: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ قَطُّ امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا»، وكان - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- يؤدِّب أحيانًا بالهجر لأزواجه إذا حصل الخطأ، فأنتَ أيها الأخ السائل عليك بالإحسان في القولِ والفعلِ وستجِدُ - إن شاء الله تبارَكَ وتعالى- الخير من أهلِك، فإذا صبرت استمتعتَ بالمرأة على عِوَجٍ فيها، وإن أنتَ لم تَصبِر جزِعت فغضِبتَ فذهبتَ لتُقيمها فربما كسرتها وكَسْرُها طلاقها «ولا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً» يقولُ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –«إِنْ سَخِطَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» فالواجب عليك أنكَ إذا رأيتَ ما َيَسُوؤُكَ، منها فعليك أن تذكر ما صدر منها من الأعمال الحسنة الجميلة فإنَّ ذلك يُذهبُ ذلكَ عنك - بإذن الله تبارك وتعالى- وبهذا، تُستدامُ الصُّحبة بحسن العشرة.
السؤال الرابع:
هذا يقول: أُعطي رجل قطعة من ذهب توضع على أُذن النساء، أُعطيت لهُ ليتصدّقَ بها ولكنها ضاعت، فهل يضمن هذه القطعة؟
الجواب:
إن كانَ قد فَرَّطَ في ذلك ضمِن، وإن لم يُفرِّط لا شيءَ عليه - إن شاء الله- وعليهِ أن يُقَدِّرَ لها الثمن، إذا كانَ قد فَرَّط قَدَّر الثَّمَنَ وأخرجهُ.
السؤال الخامس:
وهذا يقول: إذا كانَ الإمام لا يجلس جلسة الإستراحة؛ هل يُسَنُّ حينئذٍ أن نجلس أو نُتابِع الإمام؟
الجواب:
هذا اختلفَ فيه العلماء وأقربُ القولين عندي أنكَ تجلِس فإنها خفيفة جدًا(وجَلْسَةُ الرَّاحَةِ خَفِّفَنْهَا) ولا يضرك - إن شاء الله-.
السؤال السادس:
وهذا يقول: كان مُدرسًا في بلده، ولكنهُ لم يذهب إلى العمل مدّةً طويلة وكان ينزل في هذه المدة الراتب، وذهبت بالمال إلى الجهات المخصوصة فلم يأخذوهُ مني، وهو الآن موجودٌ في المصرِف منذ ثلاثِ سنوات، ولازال الراتب ينزل؛ فماذا أفعل مع العلم أنه يوجد شهور في الصيف ليس فيها عمل فما أفعلُ براتبها هذا في الصيف.
الجواب:
أمَّا ما لا يوجد فيهِ عمل وهو فترة الإجازة فهذا معلوم أنَّ الحكومات تُعطيهِ من بيتِ المال لهذا الإنسان، وهذه الإجازة إنما أعطَوْهُ وأعطوا الطلبة ليستجّموا فيها، فلا بأس بذلك، لكن إذا كان لم يُدرِّس هذه المُدَّة، نحن نسأله إن كان السبب من قِبَلِه وأنا أظنُّ - واللهُ أعلم- أنَّ السائِل من البلدان التي وقعت فيها الحروب، إن كانَ من قبله فإنهُ لا ينبغي أن يأخُذَ هذا المال، فإذا ذهبَ بهِ إليهم، إلى الدولة وأجازتهُ فليأخذه، وإن كان بسبب أمورٍ عارضة - كما ذكرت- بسبب الحروب، والدولة لا تزال تُنزِل هذه الرواتب فلاشيءَ عليك، خُذهُ وبالله التوفيق.
ولعلنا نكتفي بهذا القدر واللهُ أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبدهِ ورسولهِ نبينا مُحمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.