جديد الموقع

888804

الجواب: 

الشيخ عبيد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كانت خطبة إمامنا وهو تلميذنا وصاحبنا من قبل الشيخ عبد الواحد بن هادي المدخلي-وفقه الله مُوفقه- وموضوع اليوم هو امتدادٌ لهذه الخطبة، ولعلكم ادركتموه أو كثيرٌ منكم أدركه، وهو:قاعدة الإنغماس في العدو، وسنتبعها بتعليقٍ نستنبط منه منها هي الفروق بين قاعدة الإنغماس، وما يسمى -زوراً وبهتاناً- بالعمليات الاستشهادية، والصواب بل الصحيح أنها عملياتٌ إنتحارية، فتفضل.

القارئ: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

اللهم اغفر لنا ولشيخنا ووالدينا والسامعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- (قاعدة الانغماس في العدو، وهل يباح؟)

قال: بسم الله الرحمن الرحيم، الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ،وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلى وَآلِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً كَثِيراً، أَمْا بَعْد:

فهذه مسألة يحتاج إليها المؤمنون عموماً والمجاهدون خصوصاً، وإن كان الإيمان لا يتم إلا بالجهاد، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات 15] الآية.

ولكن الجهاد يكون للكفار والمنافقين أيضا، كما قال تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [سورة التوبة: 73، وسورة التحريم: 9] في موضعين من كتاب الله، ويكون الجهاد بالنفس والمال، كما قال تعالى:{وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[التوبة 20]، ويكون بغير ذلك وينفعه، لما ثبت في الصحيحين عن

عَنْ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا وَمَنْ خَلَفَهُ في أَهلِهِ في خيرٍفَقَدْ غَزَا»، ويكون الجهاد باليد والقلب واللسان، كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم» وكما قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في الحديث الصحيح : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا ، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ» ، فهؤلاء كان جهادهم بقلوبهم ودعائهم، وقد قال تعالى: {لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [ النساء 95]

وقال النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- «السَاعِي عَلى الصَدَقَةِ بِالحَقّ، كَالمُجاهِد في سَبيلِ الله» وقال أيضا «المُجاهِدُ مَنْ جَاهَد نَفْسَه في الله»، كما قال «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ،والْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».

والجهاد في سبيل الله أنواع متعددة، سبيل الله، ويفرق بينهما النية واتباع الشريعة. كما في "السنن" عنْ مُعَاذِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ : «الْغَزْوُ غَزْوَانِ : فَأَمَّا مَنْ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ , وَأَطَاعَ الْإِمَامَ , وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ, وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ , فَإِنَّ نَوْمَهُ، وَنَبْهَهُ كُلُّهُ َأجْرٌ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَسُمْعَةً وَعَصَى الْإِمَامَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ ، فَإِنَّهُ لَنْ يَرْجِعَ بِكَفَافٍ».

وفي الصحيحين عن عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: قيلَ يا رَسول الله! عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ «منْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وقالَ تعالى:
{وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة وَيَكُون الدِّين لِلَّهِ} [ البقرة 193].

وهذه المسألة هي في الرجل أو الطائفة، يقاتل منهم أكثر من ضعفيهم، إذا كان في قتالهم منفعة للدين، وقد غلب على ظنهم أنهم يقتلون، كالرجل يحمل وحده على صف الكفار ويدخل فيهم، ويسمي العلماء ذلك الانغماس في العدو، فإنه يغيب فيهم كالشيء ينغمس فيه فيما يغمره

وكذلك الرجل يقتل بعض رؤساء الكفار بين أصحابه، مثل أن يثب عليه جهرة إذا اختلسه، ويرى أنه يقتله ويقتل بعد ذلك.

والرجل ينهزم أصحابه فيقاتل وحده أو هو وطائفة معه العدو، وفي ذلك نكاية في العدو، ولكن يظنون أنهم يقتلون.

فهذا كله جائز عند عامة علماء الإسلام من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، وليس في ذلك إلا خلاف شاذ 

وأما الأئمة المتبعون كالشافعي وأحمد وغيرهما فقد نصوا على جواز ذلك. وكذلك هو مذهب أبي حنيفة ومالك وغيرهما، ودليل ذلك الكتاب والسنة وإجماع سلف الأئمة، أما الكتاب فقد قال الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة 207].

 وقد ذُكِر أن سبب نزول هذه الآية أن صهيبا خرج مهاجرا من مكة إلى المدينة إلى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلحقه المشركون وهو وحده، فَنَثَل كِنانته، وقال: (والله لا يأتي رجل منكم إلا رميته). فأراد قتالهم وحده، وقال: (إن أحببتم أن تأخذوا مالي بمكة فخذوه، وأنا أدلكم عليه)، ثم قدم على النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : (ربح البيع أبا يحيى))

وروى أحمد بإسناده أن رجلا حمل وحده على العدو، فقال الناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال عمر: كلا بل هذا ممن قال الله فيه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة 207].

وقوله تعالى (يَشْرِي نَفْسَهُ) أي يبيع نفسه، يقال: شراه وباعه سواء، واشتراه وابتاعه سواء، ومنه قوله:{وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ } [ يوسف 20]أي( باعوه). فقوله: (يَشْرِي نَفْسَهُ) أي يبيع نفسه لله تعالى ابتغاء مرضاته، وذلك يكون بأن يبذل نفسه فيما يحبه الله ويرضاه، وإن قُتِل أو غلب على ظنه أنه يُقتل. كما قال تعالى: {إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(112)﴾ التوبة 111-112].

وهذه الآية وهي قوله: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ } تدل على ذلك أيضًا، فإن المشتري يُسلَم إليه ما اشتراه، وذلك ببذل النفس والمال في سبيل الله وطاعته، وإن غلب على ظنه أن النفس تُقتل والجواد يُعقر، فهذا من أفضل الشهادة، لما روى البخاري في "صحيحه" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : «قَالَ: مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ اْلأيَّامِ» يعني أَيَّامِ الْعَشْرِ. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» وفي رواية: «يَعْقُر جَوادَهُ وَأُهْريقَ دَمه».

وفي "السُنن، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ أن النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ: أَيُّ العْمَلِ أَفْضَلُ ؟قَالَ : «طُولُ الْقِيَام». قِيلَ : أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ: «جُهْدُ الْمُقِلِّ». قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيه». قِيل: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ». قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: «مَنْ أُهَرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ».

وأيضا فإن الله سبحانه قد أخبر أنه أمر خليله بذبح ابنه ليبتليه هل يقتل ولده في محبة الله وطاعته؟ وقتل الإنسان ولده قد يكون أشق عليه من تعريضه نفسه للقتل، والقتال في سبيل الله أحب إلى الله مما ليس كذلك

والله سبحانه أمر إبراهيم بذبح ابنه قربانا ليمتحنه بذلك، ولذلك نسخ ذلك عنه لما علم صدق عزمه في قتله؛ فإن المقصود لم يكن ذبحه لكن ابتلاء إبراهيم،والله تعالى يبتلي المؤمنين ببذل أنفسهم؛ ليقتلوا في سبيل الله ومحبة رسوله، فإن قتلوا كانوا شهداء، وإن عاشوا كانوا سعداء

كما قال {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة 52]

وقد قال لبني إسرائيل: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة54] 

أي ليقتل بعضكم بعضا. فألقى عليهم ظلمة، حتى جعل الذين لم يعبدوا العجل يقتلون الذين عبدوه، فهذا الذي كان في شرع من قبلنا من أمره بقتل بعضهم بعضا قد عوضنا الله بخير منه وأنفع، وهو جهاد المؤمنين عدو الله وعدوهم، وتعريضهم أنفسهم لأن يقتلوا في سبيله بأيدي عدوهم لا بأيدي بعضهم بعضا، وذلك أعظم درجة وأكثر أجرا.

وقد قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (66) وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (68)} [ النساء ]

وأيضا فإن الله أمر بالجهاد في سبيله بالنفس والمال، مع أن الجهاد مظنّة القتل، بل لابد منه في العادة من القتل، وذم الذين ينكلون عنه خوف القتل، وجعلهم منافقين، فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ}[ النساء 77] إلى قوله: {فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}

وقال تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ ۚ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لّا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلا (16) قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا(17) [الأحزاب]

فأخبر سبحانه أن الفرار من الموت أو القتل لا ينفع، بل لابد أن يموت العبد، وما أكثر من يفر فيموت أو يُقتل، وما أكثر من ثبت فلا يُقتل

ثم قال ولو عِشتُم لم تمتعوا إِلاَّ قَلِيلا ثم تموتوا. ثم أخبر أنه لا أحد يعصمهم من الله إن أراد أن يرحمهم أو يعذبهم، فالفرار من طاعته لا ينجيهم. وأخبر أنه ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير،وقد بيّن في كتابه أن ما يوجبه الجُبن من الفرار هو من الكبائر الموجبة للنار، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال 16]

وأخبر أن الذين يخافون العدو خوفا منعهم من الجهاد منافقون، فقال:{وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَّوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57)} [ التوبة]

وفي الصحيحين  عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه عدّ الْكَبَائِرُ: فذكرالشْرَكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ،وَالسِحر، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ،وَقَذْف الْمُحْصَنَات الْغَافِلات الْمُؤْمِنَات، وذكر منها الفِرار من الزَحف في الصفين.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه قال:«شَرُّ ما في المرء: شُحٌّ هالعٌ، أوجُبْنٌ خالع».

وأما دلالة سنة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- على ذلك فمن وجوه كثيرةمنها:

أن المسلمين يوم بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وكان عدوهم بقدرهم ثلاث مرات أو أكثر، وبدر أفضل الغزوات وأعظمها، فَعُلِم أن القوم يشرع لهم أن يقاتلوا من يزيدون على ضعفهم، ولا فرق في ذلك بين الواحد والعدد، فمقاتلة الواحد للثلاثة كمقاتلة الثلاثة للعشرة.

وأيضا فالمسلمون يوم أحد كانوا نحوا من ربع العدو؛ فإن العدو كانوا ثلاثة آلاف أو نحوها، وكان المسلمون نحو السبعمائة أو قريبا منها.

وأيضا فالمسلمون يوم الخندق كان العدو بقدرهم مرات، فإن العدو كان أكثر من عشرة آلاف، وهم الأحزاب الذين تحزّبوا عليهم من قريش وحلفائها وأحزابها الذين كانوا حول مكة وغطفان وأهل نجد، واليهود الذين نقضوا العهد وهم بنو قريظة جيران أهل المدينة، وكان المسلمون بالمدينة دون الألفين.

وأيضا فقد كان الرجل وحده على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحمل على العدو بمرأى من النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وينغمس فيهم، فيقاتل حتى يقتل.

وهذا كان مشهورا بين المسلمين على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –وخلفائه.

وقد روى البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة قال بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَشَرَةَ رَهْطٍ عَيْنًا , وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ ، الْأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بن عُمَرَ بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأَةِ بين عُسْفَانَ ومكة ذُكِرُوا لِحي مِن هُذيلٍ يُقال لهم بَنُو لِحْيَانَ، فنَهَدُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائَتَيْ رَجُلٍ رَامٍ، ( وفي روايةٍ مئتي رجل) فَاقْتَفُوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمْ التَمْرفي منزلٍ نَزلوه، فَقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يَثْرِبَ فَلَمَّا أَحَسَّ بِهم عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَئُوا إِلَى موضِع،وفي روايةٍ إلى فَدْفَدٍ، أي إلى مكانٍ مُرتَفِع فأَحَاطَ بِهِمْ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ: انْزِلُوا فَأَعْطُوا أَيْدِيكُمْ، وَلَكُمْ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ ،لَا يُقْتُلُ مِنْكُمْ أَحَدًا، فقَالَ عَاصِمُ بن ثَابِتٍ أيها القوم أَمَّا أَنَا

فلَا أَنْزِلُ على ذِمَّةِ كَافِرٍ، اللهمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا فِي سَبْعَة، فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلَاثَةُ نَفَر على الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ خُبَيْبٌ الْأَنْصَارِيُّ، وَزيد ابْنُ دَثِنَةَ، وَرَجُلٌ آخَرُ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ فَربطوهُم بِها، فَقَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لَا أَصْحَبُكُمْ، لِي بهَؤُلَاءِ أُسْوَةً يُرِيدُ الْقَتْلَى فجَرَّرُوهُ وَعَالَجُوهُ عَلَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ فَأَبَى، فَقَتَلُوهُ، وانْطَلَقُوا بِخُبَيْبٍ وَزيد ابْنِ دَثِنَةَ حَتَّى بَاعُوهُمَا بِمَكَّةَ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَابْتَاعَ بنو الْحَارِثِ بن عَامِرِ بن نَوْفَلِ بن عبد مَنَافٍ خُبَيْبًا وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بن عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ولَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا، حتى اجْمَعُواعلى قَتلِهِ، فاسْتَعَارَ مِنْ بعض بناتِ الحارِثِ مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ بْنيٌ لها وهي غَافِلَةٌ حِتى أَتَاهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ قَالَت فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ ، فَقَالَ: تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ ذَلِكَ، قَالت وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، فوَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفِ مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ: إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنْ الله رَزَقَهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوابهِ مِنْ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ: دعوني أُصلي رَكْعَتَيْنِ، فَتًرَكعوهُ فَرَكَعَ رَكعتين فقَالَ:والله لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدت اللهمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا ، وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثم قال:

مَا أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا *** عَلَى أَيِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ *** يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ.

ثُمَّ قَامَ إِليهِ أَبو سَروعة عقبة بن الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ ، وكان خبيب هو سَنَّ لِكل مسلم قُتِل صَبرًا، الصلاة، وأخبر النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الصْحَابَهُ يَوَ أُصيبوا خَبَرَهُمْ ، وَبَعَثَ نَاسٌ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ بن ثابت حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ أن ُيؤْتَوْا بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ، وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ، فَبُعِثَ الله لعَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنْ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْهُِ شَيْئًا ، فهؤلاء عشرةُ أنفُس قاتلوا تلك المئة أو المئتين ولم يستأسِروا لهُم حتى قتلوا منهم سبعة، ثُمَّ لما أستأسروا الثلاثة امتنعَ الواحِد من إتباعهم حتى قتلوه وهؤلاءِ من فُضلاءِ المؤمنين وخيارِهم.

وعاصم هذا هو جد عاصم بن عمر, وعاصم بن عمر جد عمر بن عبدالعزيز؛ فإن عمر بن الخطاب كان قد نهى الناس أن يشوب أحد اللبن بالماء للبيع, فبينما عمر ذات ليلة يَعسُّ إذ سمع امرأة تقول لأخرى: قومي فشوبى اللبن. فقالت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن ذلك. فقالت: وما يدري أمير المؤمنين فقالت: لا والله لا نطعمه في العلانية ونعصيه في السر, فَعلّم عمر على –الباب - فلما أصبح سأل عن أهل ذلك البيت, فإذا به أهل بيت عاصم هذا الأمير المُستَشهَد, والمرأة المطيعة ابنته, فخطبها وتزوجها. وقد روي أنه زوجها ابنه عاصم هذا, وإن كان عمر قبل ذلك تزوج ابنة عاصم هذا فولدت له عاصماً ابنه, وصدق عمر بن عبدالعزيز من ذرية عاصم.

وأيضاً ففي السنن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ».

الشيخ عبيد: كم صفحة بقيت لك؟

القارئ: عشر يا شيخ.

الشيخ عبيد: كثير، طيب نُعلِق بما يتيسّر؛ بسم الله والحمدلله وصلى اللهُ وسلم،على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قاعدة الإنغماس في العدو ما الفرق بينها وبين مايسمى زورًا وبهتانًا بالعمليات الإستشهادية؟

وهي عمليات إنتحارية، الفرق من عدة أوجه، الأول أنَّ المنغمسَ في العدو لا يقتل نفسه، بل يقتله العدو، وإن قُتل، هذا من وجه.

والوجه الثاني أن المسلمين حوله يذبّون عنه فهو من الجند.

الوجه الثالث ان هذا المنغمس في العدو أصلًا هو بأمرٍ من الإمام، القائم الحاكم العام، أو من ينوب عنه وهو قائد السريه.

فلا ينغمس في العدو هكذا اعتباطًا ولا إبتدائًا، أو مضطرًا بأن يحيطوا به الكفار فلا يجد بُدٍ من أن يهجم عليهم فيقتله الكفار، أو يأسرونه.

هذه الأوجه التي يتيمز بها جند الله، فإن سَلِموا عاشوا سعداء، نائلون ماهم نائلون من أجر وغنيمة، وإن قُتِلوا كانوا شهداء، وهذا نبهنا إليه شيخ الإسلام بقوله (وَلا يَعْصي الإِمام) يعني إن كان الإمام حوله أو نائبه وهو قائد السرية، المبعوثة من إمام المسلمين، فهو لا يعصيه، يأتمر بأمره، إذا قال له كُف ،لا يهجم أحدٌ حتى آمُره، فهو لا ينفلت، فإذًا هذا المنغمس له أحوال.

الحال الأولى أن يكون في سرية، فيهجم بنفسه على العدو لأن الإمام أو القائد لم ينهاه عن ذلك يريد أن يقتل في سبيل الله أو يشتت صفوف الأعداء.

الحاله الثانية أن يكون محاطًا به فلا بد من ينغمس اذا لميمكنه الفرار عن هؤلاء، لانه لا طاقة به إلا الإنغماس، فينغمس كما حصل لهؤلاء العشره رضي الله عنهم.

وأما العمليات الإنتحاريه فهم شُذاذٌ خالفوا جماعة المسلمين من رافضه وخوارج، وقد نقلَ شيخُ الاسلام -رحمه الله- إجماع أهل العلم على قتال الرافضة و الخوارج إذا فارقوا الجماعة، فهؤلاء الخوارج المقاتلة، مهما إختلفت أسماءها، كانت داعش ومعناها دولة الإسلام في الشام والعراق، أو جماعة النصرة، أو غيرهما، قتالهم حلال، دمائهم حلال لحكام المسلمين، لأنهم فارقوا الجماعة.

الوجه الثاني أنَّ هذه الجماعات تُقاتل أهل الإسلام معتقدين أنهم كفار، معتقدين حِلَّ دمائهم وأعراضهم، ومن هنا يتجّه القول بتكفيرهم.

الوجه لعله الثالث أو الرابع أن هؤلاء عصابات، وإمامهم ليس بإمام، إمام ضلالة، وليس بإمام ملة شرعية، على ما فيه إمام ضلاله، فارقوا جماعة المسلمين، فشنّوا الحرب على المسلمين معتقدين أنهم كُفار.

وثمة وجه وهو أن هؤلاء (المُستَشهِد) كما يقولون يقتل نفسه، يقتل نفسه أولاً وقد يتلف أموال محترمة، وأنفسًا معصومة،بالاسلام دينًا أو عهدًا أو ذمة، فافهموا -الفروق بارك الله فيكم-ولا تنطليّن عليكم الحيّل وترويج البُهت، ترويج البهتان والزور، فاستعينوا بالله أيها المسلمون، وقفوا وراء حكامكم المسلمين، ومن جنّدوه لحمايتكم، فجميع القطاعات العسكرية في بلادنا التي هي بلاد التوحيد والسنة، ودولتها دولة التوحيد والسنة، جميع القطاعات العسكرية هم رجال أمن، حُرّاس السنة، عوامهم وخواصهم، حُكامهم ومحكومينهم، والوعيد الشديد على من قتل نفسه إن لم يكن متواترًا من سنة رسول الله -صل الله عليه وسلم- فهو مستفيض فهؤلاء قتلى، الإنتحاريات متوعدونَّ بالنار ومُتوعدونَّ بأنَّ كُل قاتِل يقتل نفسه يُقتَلُ يومَ القيامة في النار بما قتلَ نفسهُ به، هذا ما تيسّر من التعليق على هذه الرسالة النفيسة الماتِعة النافعة، ولولا ضيق الوقت لقرأناها جميعها فهي مستحقةٌ حقيقةٌ بالعنايةوالمذاكرة بين المسلمين عساكر ومدنيين علماء وطلاب علم وأن تقرأ في المساجد، والآن نستعرض بعض الأسئلة لأن الوقت أظن

الشيخ عبد الله: شيخنا الله يحفظكم.

الشيخ عبيد: نعم.

الشيخ عبد الله: تتميمًا بس، فقط للفائدة.

الشيخ عبيد: تفضل تفضل.

الشيخ عبد الله: جزاكم الله خيرا.

الشيخ عبد الله:  بسم الله الْحَمْدُ لله، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ - وبعد، لا عطر بعد عروس على تعليقًا شيخنا الله يحفظه.

الشيخ عبيد: تفضل.

الشيخ عبد الله: مما ذكر من مفارقات بين هذه العمليات الانتحارية وقاعدة الانغماس، وقد ذكر جملة من المفارقات ويعني أذكر أيضًا زيادة على هذه المفارقات أن المنتحر هذا أو المفجر لنفسه الفرق بينه وبين المنغمس في العدو اجتماع الصفين، اجتماع صف المؤمنين المقاتلين المجاهدين في سبيل الله وبين الأعداء، فهذا ليس كذلك المنغمس في العدو، الصفان مجتمعان بقيام ولي الأمر أو نائبه بقتال الكفار، أما هذا ليس كذلك فهو ينغمس والصفان غير مجتمعين، ولا إمرة ولا إمامة كما ذكر الشيخ وفقه الله.

والأمر الثاني أيضًا أن من المفارقات الشرعية في هذا الأصل أن المسلم لا يجوز له قتل نفسه هذا هو المُحكّم، والمتشابه ما يستدل به أهل الأهواء من بعض القضايا والحوادث فيعاملون على أنها هي المحكم، وما ورد من نصوص من تحريم قتل النفس جعلوها من قبيل المتشابه وهذا هو الضلال.

وثمة أمور لعلها شيخنا ذكرها في جوابه -وفقه الله- ولي دراسة سابقًا شيخنا الله يحفظكم قديمة يعني في المفارقات هذه يعني من الناحية الأصولية والناحية الحديثية، كنت قد كتبتها ردًا على يوسف القرضاوي عندما أباح العمليات الاستشهادية قديمًا فهذا الذي ذكرتموه وما ذكرته أيضًا وهناك أخريات لعل الله–جلَّ وَعلا- يسر وقتًا آخر في إبدائها لكم وترون التعليق عليها إن شاء الله.

الشيخ عبيد: أثابكم الله.

الشيخ عبد الله: وإياكم.

الشيخ عبيد: في الجلسة القادمة -إن شاء الله- يُقرأ حديث جَابِرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – (جَاءَتْ مَلائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) - المرجع صحيح البخاري كتاب الاعتصام، ونسيت الباب، سنعلق عليه- إن شاء الله- بما يسر الله ثم يُضيف أخونا وصاحبنا وحبيبنا الشيخ عبد الله بن عبد الرحيم البخاري- وفقه الله- ملخص دراسته أصولية وحديثية.

والآن هاتوا بعض الأسئلة.

 

السؤال الأول : 

يقول: -شيخنا حفظكم الله- قُتِل قبل أيام عدد من الرسامين المسيئين إلى رسولنا الكريم – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والصحفيين والموظفين العاملين بجريدة شيرلي ابدو في باريس وكذلك رجلان وامرأة من الشرطة ولم يتم القبض بعد على القائمين بهذه الأعمال الإجرامية، ولكن ظهرت مقاطع مرئية تُثبت تكبير بعض المجرمين وقولهم بأنهم قاموا بهذه العملية انتقامًا بزعمهم للرسول الكريم –عليه الصلاة والسلام-، فالآن تُشير الأصابع إلى الإسلام وإلى المسلمين عامة وإلى المسلمين المقيمين في فرنسا خاصة وقد-أطلقت النار ورميت قنابل على بعض المساجد. والسؤال حفظكم الله ما الموقف السلفي من هذه الأعمال الإرهابية؟ وما نصيحتكم للمسلمين في فرنسا وللدعاة السلفيين على وجه الخصوص؟ وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

أولًا:- ما من صاحب سنة لم تعلق بقلبه شائبة البدعة سواءًا كان عالمًا أو طالب علم مؤهل أو طلاب علم دون ذلك، أو عامي مجالس للعلماء ولطلابه إلا وهو ينكر هذه العمليات، سواءًا ما كان في تلك هذه الجريدة وفي غيرها وما أكثرها.

ثانيًا:- العقلاء من يهود ونصارى وغيرهم ممن جاوروا المسلمين في بلادهم، كلهم يدركون ذلك، ويعلمون حتى مسؤولون كبار في دول أوروبا وأمريكا وغيرها يطمئنون إلى أهل السُنّة والجماعة، يطمئنون إلى السلفيين.

ثالثًا: بان بما سبق أن هذه العلميات لا يجوز أن تُنسب إلى صاحب سُنة، بل هي من خوارج، وغوغائيين، وهمج، وفوضويين.

وهؤلاء الفوضويون قد يكونون رافضة، وقد يكونون من الكُفار متزيين بزيِّ المسلمين، مندسين في رافضة، أو في خوارج، من المهوسين من جماعة الإخوان المسلمين وغيرهم.

فإن جماعة [الإخوان] المسلمين وهي واحدة من الجماعات الدعوية الحديثة التي كلها ضالة مُضلّة يُجيزون الاستعانة بغير المسلمين على ما يريدون من السياسة، فلا يبعد أن تكون هذه العملية نكاية بأهل السنة خاصة، وبالمسلمين المقيمين في فرنسا وغيرها من دول أوروبا وأمريكا حتى يُشغّبوا على أهل السُنة خاصة.

وختام القول أنصح أبناءنا السلفيين حيث وُجِدوا في فرنسا خاصة، أو في غيرها من دول أمريكا وأوروبا وأفريقيا، الدول غير المسلمة، أنصح الخُطباء، والمدرسين، والمحاضرين، والإعلاميين الصحفيين المسلمين، أن يتفقوا على كلمةٍ سواء، وهي إعلان البراءة من هذه العملية، وغيرها من العمليات الفوضوية.

أهل السُنة هم حفظة الوعد والوفاء به، أهل السُنة هم أهل إنجاز الوعد، أهل السُنة هم حُفّاظ الجوار، يَصونون كَرامة الجار، فلا يتعدّون له على عرض ولا على مال ولا على نفس.

أهل السنة بإقامتهم في بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها من غير البلاد المسلمة يدينون الله بأن بينهم وبين هؤلاء الدول التي أقاموا فيها عهد وميثاق فلا يخونونه أبدا.

وكما قدمت- عقلاء هؤلاء اليهود والنصارى وغيرهم يحترمون السلفيين ويطمئنون إلى أهل السُنة ويعلمون أن هذا ليس منهم.

بقي ما فُجِّر في المساجد من قنابل، أنا لا أستبعد أنها كذلك، بل أَتَيقّن أنها نكاية، وقد يطونُ من جماعة الإخوان المُسلمين السياسية، أو يكونون من الكُفار المهوسيين غيرَ العُقلاء، هذا ما أُقررهُ في هذه العملية، واللهُ وليّ التوفيق.

 

السؤال الثاني:

شيخ لعله مُتعلق بيه سؤال آخر، يقول: هُناك في فرنسا تجمعات ضد ما حدث هذه الأيام تنديدًا بما فعلوه من قتل الصحافيين، يقولهل يجوز المُشارَكة في هذه التجمعات،وهل يجوز الوقوف معهم في دقيقة صمت، إذا مررنا بالشارِع؟

الإجابة:

أبدًا، أنا ليس عندي إلا ما نصحتهم به وما قررته، وغيرُ ذلك فلا ألتفِتُ إليه ولا أنصحُ به.

 

السؤال الثالث:

سائلة تقول: أستاذ مادة السيرة في الجامعة قالَ عند ذِكرهِ غزوة مؤتة أنّ عدد المسلمين ثلاثة آلاف، وأنَّ عدد الكافرين مئتين ألف قال: (طبعًا لا اُبالغ إن قُلتُ شيء من الجنون وشيء من التهوّر أن يتقدم هؤلاء الثلاثة آلاف لكي يواجهوا المئتي ألفا)، فما رأيكم في هذه العِبارة؟

الإجابة:

مجنون، كفى، هذا اساءَ الأدب مع صحابة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الحمدلله.

 

السؤال الرابع:

يقول جاءَ في ترجمةِ أبوبكر الأثرم- رحمهُ الله- عند اصحابِ السيّر( كان عندهُ تيقُظًا عجيب حتى نسبهُ يحي بن أيوب المقابري فقال كان أحد أبوي أبوبكر الأثرم جنيّا) هل يجوز أن يتزوج الإنسي من الجن أو العكس؟

الإجابة:

لقد بَسَطتُ بما يَسّر الله القول في هذه المسألة، لكن لا مانِع أن أُعيد حتى لا نُهمِل السؤال، أُعيد ولو باختصار، أقول: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ». مَرويٌّ في الصحيحين من حَديثِ عائِشَة وأبيهُريرة- رَضيَّ اللهُ عنهما- ولا أستطيع أن أُحدد يعني مصدر الرواية لكلِ واحد، لأني بعيدُ العهد، لكن الحديث صحيح وهو من العزيز، نعم بهذا، هذا أولًا.

ثانيًا لو أتى رجلٌ عليهِ زيّ أهل الإسلام من كثافة اللحية والبهجة في منظره، والسكينة والوقار فطلَب من رجلٍ أن يُزوجه موليته أو هو عَرَضَ على رجلٍ من المُسلمين موليته، ثُمَّ قالَ إنهُ مِن الجِن فهل يُطمئَنُ إليهِ في الحالين أو لا؟ أجيبوا؟

هو قال من الجِن، هل يطمئن أحدكم أن يقبلَ عَرضه؟ أو يُزوجه موليته؟ لا يمكن، بيننا وبين المسلمين من الجِن، ونحن لا ننفي أنَّ منهم صالِحين، كما قصّ اللهُ عنهُم من خبرِهِم، خبر الذين سمعوا الوحيّ أولَ مرّة، سَمِعوا قِراءة رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في سورة الجِنّ، وبعض آيات الأحقاف، نحنُ نؤمنُ بهذا، وإن كُنّا لا نعرفِهُم، لكن في هذا المقام لا يُطمئَنُ إليهم، ثُمَّ لو جاء بموليتهِ وقال هذه موليتي ورأينا عليها مثل ما نرى من بناتنا، وقد نَكِلُ الأمر إلى نساءٍ عاقلات فَطِنات حاذِقات، وقالت إنها لا تستنكرُ شيئا، فهل نطمئن ؟

الجواب: لانطمئن، لأن الجن يتشكلون بأشكال، يتشكلون في أشكال الحمير والإبل والثعابين والكلاب، يتشكلون في كل شي في كل شكل ، في كل شكل يتشكلون، فمن يضمن أن هذه المرأة هي المرأة التي تزوجها من وليها ! من يضمن؟ قد تأتيه كل يوم امرأة، من غير فرق، وتقول أنا زوجك ! أهلاً وسهلاً حياك الله، أبداً لا يأنس بها، ثم الحكمة أو من الحكم في النكاح، ماذكره الله في سورة الروم ماذا قال :{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21] فهل يُسكنُ إلى جنية ؟!

أبداً! ما تناكر ما يُسكن إلى جنية أبداً،جعل الله زوجة الإنسي إنسيّة (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) وماذا بعد؟(وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً).

فمن حكمه البالغة سبحانه وتعالى ، من حكمه البالغة في النكاح أن جعل ، أولاً أنه خلق زوجة الإنسي إنسية مثله، ثم جعلها زوجة له بعد ذلك ، البنت والولد من جنس واحد، كلهم ولد آدك، فإذا صار زوجين كانت السُكنى اطمئنان النفس، والمودة، والرحمة، ويؤيد هذا قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذا أَتَاكُم مَنْ تَرْضَونَ دِينه وَخُلُقه فَزَوِجُوهُ» وفي رواية «تَرْضونَ دِيَنهُ وَأَمَانَته» من يعرف خُلُق هذا الجني! من يستطيع أن يحكم أنه مَرضيّ الدين والخلق، وقال في المرأة : «تُنكح الْمَرْأَةُ لِجَمَالِهَا ، وَمَالِهَا ، وحَسَبِهَا وَدِينِهَا ، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»، المسلمة الأنسيّة يمكن أن يُتعرف على دينها وخُلقها، أما الجنيّة فهي غائبة عنا، هذا ماعندي والله أعلم.

الشيخ عبيد: عندك شيء يا شيخ عبدالله؟

الشيخ عبدالله: يعني تتميم يسير إن شاء الله.

الشيخ عبيد: هات.

الشيخ عبد الله: ما شاء الله، أقول شيخنا الله يحفظكم، يعني هذه المسألة هي مسألة مذكورة في كتب بعض أهل العلم، وموضوع نكاح الإنسي بالجنية أو العكس، لكن التحقيق هو ماذكرتموه -الله يحفظكم- من جواب منا يدل على المفارقات، وأن هذا الأمر لايمكن تحققه أن الإنس هم عالم شهادة، والجن هم من عالم الغيب والتحقق في عدالتها أو أمانتها أو دينها في قول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعلى آلهِ وَسَلَّمَ : «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ» هذا أمر نقول مستحيل تحققه، وكذلك في الذكر منه أعني من الجن، فلا يمكن البحث عن المتزوج أن أراد أن يتزوج من ابنته ووليته كيفية استقامته وأمانته وعهده وصدقه وغير ذلك، ثم إن هذا المذكور في ترجمة الأثرم وهو قول بعضهم أنَّ أباهُ أو أمه كانت جنيّة ،هذا فيه يعني مبالغة ، خرج مخرج المبالغة - بارك الله فيكم- لا على سبيل التحقيق والتدقيق أن أنه كانت كذلك جنية وهذا يُذكر في بعض كتب التراجم يجب أن نعرف الطريقة التي يذكر بها أهل العلم ، في بعض التراجم، وقد يذكرون ألفاظاً هي نادرة أوقليلة الاستعمال، في تراجم بعضهم وهذه منها ، كما أن بعضهم قال في عفّان الصفّار وغير ذلك أنه كان شيطانًا، والمراد به أنه شيطان يعني أنه حافظ متقنٌ جداً لا يريد بدلك الذم وإنما أراد به المدح له، وهكذا -فبارك الله فيكم- يجب أن نعرف وليس كل ما يُذكر يؤخذ على ظاهره فنكون أشدَّ ظاهرية من الظاهرين أنفسهم، نعم.

الشيخ عبيد: أحسنتم، أحسنتم، بارك الله فيكم وُفِقتم، أقول حتى لو تحقق هذا عرفتم من كلام أخينا أبي أسامة الشيخ عبدالله البخاري أن هذا يُذكر للمبالغة مثل ما يقال فلات عفريت، والعفريت هو من ألقاب الجن، لكن يُراد به ماذا أنه قوي وأنه ذكي وأنه وأنه، أقول حتى لو سلّمنا انه حصل لبعض الناس فهذا من النادر، والنادر لاحُكم له، وبهذا القدر نكتفي لأن الوقت طال.

 

وصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وًَصحبِهِ أَجْمَعِينَ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الشيخ: 
عبيد بن عبد الله الجابري