جديد الموقع

888853

الجواب: 

الشيخ عبيد: الحمد لله، وصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نبينا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

موعدنا في هذه الجلسة مع أخينا وحبيبنا وصاحبنا الشيخ الدكتور عبدالله بن عبد الرحيم البخاري ليتحفنا بقراءة بحثٍ له في (التَّشَهُّد بعد سُجُودَ السَّهْوِ) لكن أترككم الآن بعده ثم بعد ذلك بينما نعود إليكم وتعودون إلي، عندنا بعض التنبيهات قبل استعراض الأسئلة، تفضل يا شيخ عبدالله

الشيخ عبدالله: جزاكم الله خيراً شيخنا.

بسم الله، عندي كُليمة صغيرة يا شيخنا بين يدي القراءة.

الشيخ عبيد: تفضل.

الشيخ عبدالله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وَبَعد:

هنا تنبيهٌ بين يدي شيخنا -وفقه الله- ووفقنا جميعاً لما يحب ويرضاه، قد كُنتُ نَبهّت عليه سابقاً في هذا المسجد أيضًا، وهو يتعلق بحرص الإخوة وفقهم الله من أبنائنا الطلاب على الإلتفاف والاجتماع والاقتراب على شيخنا للاستفادة والإفادة، وهذا شيءٌ حسن، لكن كما لا يخفى عليكم هذه أو هذا الموضع هو جامعٌ للجمعة فيه إخوانكم وفيه من عامة الناس وغيرهم، فمن المهم مُراعاة ذلك، وأن لا يَتدافع الناس ولا يتزاحموا فيُضيّقوا على إخوانهم من العامة الذين يريدون أن يتسننوا ويسبحوا ويهللوا، فإذا هدأت الأمور واستقر الأمر قاموا واقتربوا، حتى لا يشوِّشوا على أنفسهم، ولا تأخذ الناس فكرةً غير محمودة على إخواننا وأبنائنا، هذا تنبيهٌ بسيط سبق أن نبهت عليه ولعل شيخنا -وفقه الله- يؤيدني في هذا - إن شاء الله -.

الشيخ عبيد: وهو كذلك، نعم.

الشيخ عبدالله: جزاكم الله خيراً.

الشيخ عبيد: حتى كثير من إخواننا العوام يحبون ما تحبون، فنرجوا عدم التزاحم الذي يشبه المسابقة، والإستباق الزائد عن القدرِ المناسب.

الشيخ عبدالله: نقول شيخنا -وفقكم الله- هو البحث متعلقٌ بالأحاديث الواردة في التَّشَهُّد بعد سجدتيَّ السَّهْوِ ، وكنتُ قد قدّمتُ فيهِ المقدمة حول الاستقامة على السُنَّة ولزومها، وفيما ذكرت في مقدمته قولاً للإمام شيخ الإسلام ابن القيم - رَحِمَهُ اللهُ - حيث قال في زاد المعاد:"وَمِنْ هَاهُنَا تَعْلَمُ اضْطِرَارَ الْعِبَادِ فَوْقَ كُلِّ ضَرُورَةٍ إلَىٰ مَعْرِفَةِ الرّسُولِ -صلى الله عليه وآله وسلم- وَمَا جَاءَ بِهِ، وَتَصْدِيقِهِ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَ؛ فَإِنّهُ: لَا سَبِيلَ إلَى السَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا عَلَىٰ أَيْدِي الرّسُلِ -عليهم الصلاة والسلام- وَلَا سَبِيلَ إلَىٰ مَعْرِفَةِ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ عَلَى التّفْصِيلِ إلَّا مِنْ جِهَتِهِمْ. وَلَا يُنَالُ رِضَى اللهِ الْبَتّةَ إلَّا عَلَىٰ أَيْدِيهِمْ، لَيْسَ إلَّا هَدْيَهُمْ وَمَا جَاؤوا بِهِ، فَهُمُ الْمِيزَانُ الرّاجِحُ الّذِي عَلَىٰ أَقْوَالِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ تُوزَنُ الْأَقْوَالُ وَالْأَخْلَاقُ وَالْأَعْمَالُ وبمتابعتهم يَتَمَيَّزُ أَهْلُ الْهُدَىٰ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَالضّرُورَةُ إلَيْهِمْ أَعْظَمُ مِنْ ضَرُورَةِ: الْبَدَنِ إلَىٰ رُوحِهِ. وَالْعَيْنِ إلَىٰ نُورِهَا. وَالرّوحِ إلَىٰ حَيَاتِهَا. فَأَيُّ ضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ فُرِضَتْ؛ فَضَرُورَةُ الْعَبْدِ وَحَاجَتُهُ إِلَى الرُّسُلِ-عليهم الصلاةُ وَالسَلام- فَوْقَهَا بِكَثِيرٍ) إلى أن قال: (وَإِذَا كَانَتْ سَعَادَةُ الْعَبْدِ فِي الدّارَيْنِ مُعَلَّقَةً بِهَدْيِ النّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَيَجِبُ عَلَىٰ كُلِّ مَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ وَأَحَبَّ نَجَاتَهَا وَسَعَادَتَهَا أَنْ يَعْرِفَ مِنْ هَدْيِهِ وَسِيرَتِهِ وَشَأْنِهِ مَا يَخْرُجُ بِهِ عَنِ الْجَاهِلِينَ بِهِ، وَيَدْخُلُ بِهِ فِي عِدَادِ أَتْبَاعِهِ وَشِيْعَتِهِ وَحِزْبِهِ، وَالنّاسُ فِي هٰذَا بَيْنَ مُسْتَقِلٍّ، وَمُسْتَكْثِرٍ، وَمَحْرُومٍ، وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، انتهى كلامه-رحمه الله.

الشيخ عبيد: نسأل الله من فضله.

الشيخ عبدالله: ثم بارك الله فيكم شيخنا- أنا ذكرت مقدمةً بعد ذلك ثاني أو قسماً في تعريف (السّهْوِ): لغةً واصطلاحًا،والحكمة في ذلك، وَمِمَّا ذكرت في الحكمةِ بعد أن عَرفتّه لُغةً واصطلاحاً، قُلتُ: أما الحكمةُ مِنهُ فَقَد قَالَ الإمام ابن القيَّم- رَحمهُ الله- في زادِ المَعاد: (وَكان سَهوهُ - عَليهِ الصَلاة والسَلام- في الصَلاة مِن تَمام نعمة الله عَلَى أُمّتِهِ ، وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما يَشرَعه لهم عند السّهْوِ:وهذا معنى الحديث المُنقطع الذي في المُوطّأ) ((إِنما أنسى أو أُنسّى لأَسُن)).

قُلتُ في هذا: إنَّ الحَديثَ كَما قال -رَحمهُ الله- مُنقطعٌ، وَقَال فيهِ الحَافِظ بن عَبد البرّ مُعَلِقاً عليه في التمهيد: (أما هذا الحديث بهذا اللفظ فلا أعلمه يُروى عن النَبيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بوجهٍ من الوجوه مُسنَدًا ولا مَقطوعًا غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة في الموطَّأةِ التي لا توجد في غيره مسندةً ولا مرسلةً)، انتهى كلامه.

ثم قال-رحمه الله- أعني الإمام ابن القيم: (وكان - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنسى، فَيترتَبُ على سَهوه أَحكامٌ شَرعيةٌ تَجري عَلى سَهو أمتهِ إلى يوم القيامة، فقام عليه -الصلاة والسلام- من اثنتين في الرباعية ولم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام ثم سلّم، فَأُخِذ من هذا قاعدة : (أن من ترك شيئاً من أجزاءِ الصلاة التي ليست بأركانٍ سهوًا سجد له قبل السّلام، وأُخِذَ من بعض طُرقهِ أَنهُ إذا ترك ذلك وَشَرع في ركنٍ لم يرجع إلى المتروك، لأنه لمّا قام سبّحوا، فأشار إليهم أن قُوموا)، انتهى كلامه-رحمه الله.

ثم القسم الثاني في ذكر الأحاديث الواردة التَّشَهُّد بعد سَجدتي السَهوِ، وهُنا أيضًا شيخنا أُلفتُ نظر الإخوة الطَلبة- وفقهُم اللهُ جميعًا- إلى أنَّ الناس فيما ما سنذكُرُه أقسام، هُناكَ مِن طَلبةِ العلِم مَن هو مُدركٌ لما سيُذكَرمن التعليل وَأوجُه التعليل، ومنهم من لم يصل إلى هذا الحدّ مِن لإدراك لكنهُ مُحب لذلك فيكفيهِ المُلَخَص والخُلاصة.

فالحديثُ الأول حديثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ- نصّهُ

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ- رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلهِ وَ سَلَّمَ-: ((إِذَا كُنْتَ فِي صَلَاةٍ فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَأَكْبَرُ ظَنِّكَ عَلَى أَرْبَعٍ تَشَهَّدْتَ ، ثُمَّ سَجَدْتَ سَجْدَتَيْنِ وَأَنْتَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ تُسَلِّمَ ، ثُمَّ تَشَهَّدْتَ أَيْضًا ، ثُمَّ تُسَلِّمُ)).

تخريجُ الحَديث وَالكَلامُ عَليهِ أخرجهُ أبوداود في سُننهِ بهذا اللفظ، والنَسَائيُّ في الكُبرى، وأحمدُ في المُسنَد من طريقِ أبي داود والدارقُطني في السُنن، وكَذا البيهَقيُّ في أحدِ الموضعين مِن سُننهِ الكُبرى كُلهم من طريقِ مُحَمَّد بنُ سَلَمَة عَن خُصَيفٍ عَن أبي عبيدَة بنِعَبْدُ اللَّه عَن أَبيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى بهِ.

وعندهم كلهم إلا النَسَائي: (فَشَكَكْتَ فِي ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ) .

قَالَ أبوداود (رَوَاهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ, عَنْ خُصَيْفٍ , وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، وَوَافَقَ عَبْدُ الْوَاحِدِ أيْضاً سُفْيَانُ وَشَرِيكٌ وَإِسْرَائِيلُ وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَلَامِ فِي مَتْنِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُسْنِدُوهُ) انتهى كلامُ أبي داود.

قُلتُ: وَنقلَ الحافظُ الْبَيْهَقِيّ في الموضِع الأول من سُننهِ الكُبرى كلام الإمام أبي داود ولم يَتَعَقبهُ وَقالَ في الموضعِ الثاني (وَهَذا غَير قَوي ، وَمُختَلَف في رفعه ومتنه) وقالَ في معرفة السُنن والآثار وَرَوَى خُصَيْفٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ النَبيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ذَكَرَ الحَديث، ثُمَّ قالَ (وَهذا حديثٌ مُختَلَفٌ في رفعهِ وَمتنهِ،وَ خُصَيْفٍ غيرُ قويٍ وأَبِو عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرسَلٌ) انتهى

وقالَ المُنذريُّ في مُختصرِ سُنن أبي داود وأخرجهُ النَسائيُّ ، (وَتَقَدَمَ أنَّ أَبِا عُبَيْدَةَ، لَمْ يَسمَع مِنْ أَبِيهِ) انتهى.

ثُمَّ ذكرَ كلامَ أبي داود المُتَقَدِم، ويظهرُ مِن كلامهِ- رحمهُ الله-تَضعيف الحديثِ لإنقطاعهِ، وقالَ الحافِظُ النووي في خُلاصة الأحكام (رَواهُ أَبوداود وَهُو ضَعيفٌ) أي الحديث (وأبوعُبيدَةَ لَم يُدرِك أباه، وحديثهُ هذا مُختَلفٌ فيهِ وَفي إسنادِهِ وَمتنهِ وخُصيفٌ مُختلفٌ فيهِ) انتهى.

قالَ الْحَافِظُ الإمامُ ابْنُ رَجَب الحنبَلي في كتابهِ فتح الباري (وَأَما السجودُ قبلهُ فلا يَتَشَهدُ فيهِ عندَ أحدٍ من العُلماء إلا روايةً عَنْ مالِك).

وَرُويَّ عَن ابنِ مَسعود مِنْ وجهٍ فيهِ إنقطاع، وَمُختَلَفٌ في لفظهِ وفي رَفعهِ وَوَقفهِ، انتهى.

وقالَ في مَوْطِنٍ آخر مِن فَتح الباري (وَرُويَّ عن عَنْ النَبيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-التَشَهُد في سجودِ السَّهْوِ من حديثِ ابنِ مسعودٍ ولهُ طُرُقٌ أَجوَدُها رِوايةُ خُصيفٍ عَن أَبي عُبيدَةَ عَنهُ، معَ الإختلافِ في رفعِ الحديث ووقفهُ أشبَه) انتهى.

وَضعّفَ الإسناد الْحَافِظُ بنُ حَجَر - رحمهُ الله- في فتحِ الَباري وَضَعَفهُ بِسببِ الإنقطاع العلامّة أحمد شاكر في شرحهِ على مُسنَدِ الإمامِ أحمد.

وَضَعّفَ الحديث أيضًا لِضعفِ خُصيفٍ وَللإنْقِطاع وترجيحِ الموقوف على المرفوع العلامّةُ الألباني - رحمهُ الله- في إرواءِ الغليل.

قُلتُ: الإسنادُ فيهِ عدةُ عِلل:

الأول خُصَيْف بالصادِ المهملة، آخرُهُ فاءٌ مُصغرٌ، ابن عَبْدُ الرَّحْمَنِ الجزري أَبُو عَوْنٍ مُختلفٌ فيه، وَثقّهُ ابن سعد وَأَبُو زُرْعَةَ وّالعِجلِيُّ وابن معين في رواية، وَقَالَ السَّعْدِيّ: (صَدُوق)، وقالَ الفسويُ: (لَا بَأْس بِهِ)، وكذا قال ابْن معِين في رِوَايَة عنه ، ومرة قال: (صالحٌ)،  وكذا قال النسائي، وضعفهُ الإمام أحمد ومرةً قال:(ليس بحجةٍ ولا قويٍ في الحديث)، وقال أبو حاتم:(صالحٌ يخلط، تُكُلم في سوء حِفظهِ)  وقال النسائي: (ليس بالقوي) ومثله قال احمد الحاكم، قال الدَّارَقُطْنِيّ يُعتبر به ويهمُ، وقال ابن خُزيمة لا يُحتجُ بحديثهِ وقال ابن عديٍ:( و إذا حَدّث عَن خُصيفٍ بحديث ثِقةٌ فلا بأس بحديثِهِ، وبروايتهِ ، إلا أن يروي عنهُ عبدُالعزيز بن عبد الرحمن البارسي، يُكنى أبا الأصبغ فإن روايتهُ عنهُ بواطيل، والبلاءُ من عَبدَ العَزيز لا من خُصَيْفٍ). انتهى

 وقال الذهبيُ :(صدوقٌ سيء الحفظ)، وقال ابن حجرٍ:(صدوقٌ  سيءُ الحفظِ، خلط بأخرةٍ ورُمي بالإرجاء).

 قُلتُ: فالمُتأمل ُ في كلام أهل العلمِ يجدُ أن ضعفهُ مُتجهٌ الى سوءِ حفظهِ، لذا لم يرتضِهِ الإمام أحمد ومن معه، وهوفي نفسِهِ صدوق، وهذهِ المنزلة هي درجةٌ يُعتَبرُ بحديثِ صاحبها، ولا يُحتملُ تفرُدُهُ.

الثانيةُ: الإنقطاعُ بين أبي عُبيدة عبداللهِ بنِ مَسْعود ، وأبيهِ عبد الله مسعود :

الشيخ عبيد: المقصود الذي يُعتبرُ بحديثِهِ من باب الإعتظاد، إذا وجد لهُ شاهد أو مُتابع، كذا؟

الشيخ عبدالله: نعم،نعم وإذا تَفّرَد لا يُحتمل.

الشيخ عبيد: هذا هو.

الشيخ عبدالله: والعلةُ الثانية الإنقطاع بين أبي عُبيدة وأبيه عبدالله بن مسعود.

قُلتُ: وبخاصة في المرفوعات، فقد نصَّ على عَدمِ سَماعهِ مِن أبيه جمعٌ من الحُفاظ منهم: الإمامُ يحي بن معين والعجلي وابو حاتمٍ و الرَّازِيّ الترمذي و والنسائي وابن حبان وغيرهم، طبعًا هناك كلامٌ مُطولٌ لي في رواياتهِ في التفريق بين المرفوعِ والموقوفِ في رسالتي المُسماه في مرويات أبي عُبيدة عبدالله بن مسعود عن أبيهِ، جمعٌ ودراسه.

الشيخ عبيد: مُلَخَصها أنكَ تَرى رواية

الشيخ عبدالله: سَماعهُ للموقوفات دون المرفوعات.

الشيخ عبيد: هذا صحيح جميل، نعم.

الشيخ عبدالله: قلتُ: ثالثاً: الإختلاف فيه رفعاً ووقفًا،فمحمد بن سلمه خالف في رفعهِ جماعةً من الحُفاظِ، كما  ذكرهم الإمامُ أبو داود آنفاًوهم الإمام سفيان أي الثوري، ومحمد بن فُضيل وعبد الواحد  وشريك وإسرائيل فأوقفوه، وهاك التفصيل:

أخرج الإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في المُصنف، كلاهما عن محمد بن فضيل  قال:حدثنا خصيفٌ بهِ موقوفًا، ولفظُ أحمد بمثل لَفظِ حديثِ الباب ولفظُ ابنُ أبي شيبة مختصرًا جدًا وهو- أي وفيه- يتشهدُ فيهما فقط ، وَضعّفَ الإسناد بسبب الإنقطاع فقط العلامة أحمد شاكر، في شرحهِ المُسند.

ثانياً: أخرج عبد الرزاق في المصنف ومن طريق ابن المنذر، في الاوسط عن سفيان الثوري عن خصيف عن أبي عُبيدة بن عبدالله عن أبيه أنهُ تَّشَهّد في سجدتي السهو، فهذا اللفظُ من فعل عبدالله بن مسعود.

ثالثًا: وأَخرَجَ عبد الرزاق في المصنف، والطحاوي في شرح معاني الاثار، ومن طريق عبد الرزاق، الطبراني في الكبير، والبيهقي في الكبرى، من طريق الثوري عن خصيف،عن أبي عبيدة عن ابن  مسعود قال ( السهو إذا قام فيما يجلسُ فيه أو قعد فيما يُقامُ فيه، أو يُسلِمُ في ركعتين، فإنهُ يفرغ من صلاته ويسجد سجدتين وهو جالسٌ يتشهد فيهما)، واللفظ لعبد الرزاق وعند الطحاوي نحوه وزاد في آخرهِ (وَيُسَلِم) ولفظ الْبَيْهَقِيّ مثله إلا في أخره إلا أنه قال (يتَّشَهُّد فيهما ويُسلم).

وأَخرجَ الطَبَراني من طريقِ زَائِدَةَّ عن سُفيان عن ابي عُبيدَة عن ابنِ مسعود قال (إذا قُمتَ أوجَلَستَ أو سَلَمتَ فاسجُد سَجدتيّ السَهّو ثُمَّ التَشَهُد ثُمَّ سَلِم)

تَنبيه:

لا يُقال إن مُحَمَّد بنُ سَلَمَة لم ينفرد به بل توبع عليه متابعةً قاصرةً من مَنْصُوْرُ بنُ المُعْتَمِرِ في ما أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار فقال: حَدَّثَنَا رَبِيعٌ الْمُؤَذِّنُ ، قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قال حَدَّثَنَا وُهَيْبُ قَالَ حَدَّثَنَا مَنْصُورعَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَن عَبْدُ اللَّهِ قَالَ:قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِك أَثْلاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فلينظر أحرى ذلك إلى الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ ، وَيَتَشَهَد وَيُسَلَّمَ))، ففيه ذِكرُ التَّشَهُّد، لأنَّ رَبِيعًا الْمُؤَذِّنُ وهو ابن سُلَيمان الْمُرَادِيِّ، وإن كان ثقةً كما في التقريب إلا أنه وهِمَ، إذ قد روى هذا الحديث أصحابُ مَنْصُور عنه ولم يذكروا التَّشَهُّد فيه، منهم: 

١- جرير بن عبد الحميدٍ الضبيّ، أخرج حديثه البخاريّ في الصحيح، ومسلمٌ في الصحيح من طرقٍ عَنْ جرير عن مَنْصُورعَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ به، وفيه ((وإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّفي صَلاتِهِ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ)).

٢- ثانيًا: الإمام شُعْبَةَ بن الحَجاج، أخرج حديثه الامام مسلم في الصحيح، من طريقِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: الحَدَّثَنَا شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُور به.

٣- ثالثًا : الامام مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ ، أخرج حديثه مسلمٌ في الصحيح من طريقين عن مِسْعَر عن مَنْصُور به.

٤- رابعًا: الامام سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، أخرج حديثه الإمام مسلمٌ في الصحيح.

٥- خامساً: وُهَيْبٌ بْنُ خَالِد، أخرج حديثه الامام مسلمٌ في الصحيح

و الدَّارَمِيّ، عن الدَّارَمِيّ قَالَ: أخبرنا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ بْنُ خَالِد قَالَ: حَدَّثَنَا منصورٌ به.

وهاهنا أمرٌ مهمٌ وهو أن الراوي عن يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ وهو الامام الدَّارَمِيّ وهو مخالفٌ لرَبِيعٍ الْمُؤَذِّنُ الراوي عنه أيضًا، إذ رواه عنه موقوفاً، ومعلومٌ أن الامام الدَّارَمِيّ أَثبّتُ وَأَحْفَظ.

٦- سادسًا: رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ ، أخرج حديثه الطحاوي في شرح معاني الآثار، قَالَ:حَدَّثَنَا ابن أبي دَاؤودَ قَالَ:حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ قال:حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ به.

٧- سابعًا: زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ ، أخرج حديثه ابن الجارود في المنتقى والطحاوي في شرح معاني الآثار كلاهما عن َ زَائِدَة به.

٨- ثامنًا: فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ، أخرج حديثه مسلمٌ في الصحيح، قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أخبرنا فُضَيْلٌ بْنِ عِيَاضٍ به.

٩- تاسعًا: الامام سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أخرج حديثه الامام ابن ماجة في السنن، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِالخَلاَّد قال:حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ به.

فهؤلاء الجماعة من الحُفّاظ الأثبات الثقات من أصحاب مَنْصُور لم يذكروا التَّشَهُّد، فثبت بذلك شذوذ رواية رَبِيعٍ الْمُؤَذِّنُ لمخالفته هذا الجمع الغفير من الأَثبَات.

وتابع مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ في رواية الحديث عن إبْرَاهِيْمَ بنُ يَزِيدَ النَّخعيِّ بدون ذكر التَّشَهُّد كلٌ من:

1: الحكم بن عتيبة الكوفي، أخرج حديثه الشيخان في صحيحيهما كلاهما عَن شُعْبَةُ عن الْحَكَمِ به.

ثانيًا: الأَعْمَشِ، أخرج حديثه مسلمٌ في الصحيح، قال:حَدَّثَنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التميميّ قال: أخبرنا بْنِ مُسْهِرٍ عنه به.

فَثَبَت بهاتين المُتَابَعَتين أن من ذكرالتَّشَهُّد في حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ - مرفوعًا قد شذَّ وخالف، ولذلك قال بعدم ثبوت حديث التَّشَهُّد مرفوعًا الإمامُ ابن المُنذِر في كتابه الأَوسَط.

جاء في المصنف لأبنِ أَبِي شَيْبَةَ قال: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَن عَبْدِ اللهِ ، قَالَ : (فِيهِمَا تَشَهُّدٌ).

قُلتُ: هذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أن إبْرَاهِيْمَ لا يروي عن عَبْدِ اللهِ ، إذ بينهما واسطة، وقد قال - أي إبْرَاهِيْمَ – (إذا حَدْثتُكم عن رجلٍ عن عبدالله فهو الذي سَمِعتُ، وإذا قُلتُ قَالَ عَبْدِ اللهِ فهو عن غير واحدٍ عن

عَبْدِ اللهِ) لِذا ذَهَبَ بَعضُ الأئمةِ إلى ترجيحِ المُرسَل على المُسنَد عن النَّخعيِّ خاصةً فيما يرويه عن بْنِ مَسْعُودٍ خاصة، كما في شرح العلل لابن رجب، لذا صحح هذا الأثر الحافظ ابن حجر في الفتح والألباني في الإرواء.

وهذا الأثرُ يقوي أثرَخُصَيْفٍ في حديث الباب المترجح وَقفُه، والمُتَكلم فيه بسبب سوء حفظ خُصَيْف ، ويدل على ثبوته عن بْنِ مَسْعُودٍ موقوفاً لا مرفوعاً.

الحديث الثاني: حديث الْمُغِيرَة بْنِ شُعْبَةَ ، عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَنَّ النَبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشَهَد بَعدَ أن رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.

الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وفي الأوسَط واللفظُ لهُ و الْبَيْهَقِيّ في الكُبرى، كِلاهُما مِن طريق مُحَمَّد بْن عِمْرَان بْن أَبِي لَيْلَى قالَ حَدَّثَنَا أَبِي قالَ حَدَّثَنَا بْن أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَي الشَعبيُّ بِهِ، قالَ الطَّبَرَانِيّ عقبهُ في الأَوسَط( لم يًروي هذا الحديثُ عن الشَعبيّ إلا ابنِ أَبي لَيلي، تَفَرَدَ بهِ ولدهُ عنه) قالَ الْبَيْهَقِيّ عقبه (هذا يَتَفَردُ بهِ مُحَمَد بن عبدالرحَمن ابنِ أَبي لَيلي عن الشَعبيّ ولا يُفرحُ بما يُتفردُ بهِ).

وقالَ في معرفةِ السُننِ والآثار عقب الحديث( هذا تفرّدَ بهِ ابنِ أَبي لَيلي هذا ولا حُجة لما يتفرّد فيهِ لسوءِ حفظهِ وكثرةِ خطأه في الروايات) انتهى.

قُلتُ: وحَكم الحافظ الإمام بن المُنذِر في الأوسط على الخبر بأنهُ خبر غير ثابِت وإسناد هذا الخبر فيه :

أولًا: عِمران بن مُحَمَّد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أبي ليلى الكوفيّ، روى عَن أبيهِ وروى عنهُ جمعٌ تَرجَمَ لهُ أَبِي حَاتِمٍ فِي " الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ جَرْحاً وَلاَ تَعْدِيلاً، وذكرهُ ابن حِبان في كتابهِ الثقات وقال الحافظ بن حجر فيه مقبول حيثُ يُتابَع وإلا فَلَيّنٌ.

قُلتُ: وعِمران لم يُتابَع عليهِ من هذا الوجه كما سَيَرِد بإذنِ الله،وعليهِ فَمثلُهُ لا يُحتمَلُ حالهُ قَبولَ تفرده.

ثانيًا: أبوه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى مُتَكلمٌ في حفظهِ قالَ الإمامُ أحمد( ابنُ أَبي لَيلى لا يُحْتَجُ به) ووصفهُ بسوءِ الحفظ جماعةٌ من الأئمة مِنهُم الإمام شُعْبَة وابن مَعينٍ ووصفهُ الإمام أحمد مرةً باضطرابِ الحديثِ وسوء الحفظ، قال الإمام ابن رجب شارِحًا كلمة الإمام أحمد هذه (إنما عنى إذا انفرد، وأشدُ ما يكونُ في هذا إذا لم يَحْفَظ الإسناد، فَزادَ أو أَنقص أو غيّرَ الإسناد، أو جَاءَ بما يَتَغيّرُ فيهِ المعنى) انتهى كلامُ الحافِظ ابن رَجَب.

قالَ الحافِظُ بن رَجبَ صدوقٌ سيءُ الحفظِ جدًا، وأختُلِفَ فى هذا الحديثِ على مُحمد بن أبي ليلى فرواهُ عنهُ ابنهُ هكذا بِذكرِ التَشَهُد بعدَ سَجْدَتيّ السَهوّ وخالفهُ فيهِ الإمامُ سُفيان الثوري فرواهُ عن أبنِ أبي ليلى عَن الشَعبيّ عَنْ المُغيرَةَ بنُ شُعْبَة- رَضيَّ اللهُ عنهُ- أنهُ قامَ في الركعتين الأوليين فَسَبحوا بهِ فلم يجلس، فلمّا قضى صلاتهُ سَجَدَ سجدتين بعد التسليمِ، ثُمَّ قَالَ هَكذا فَعلَ رَسولُ الله- صلى الله عليه وسلم.

قُلتُ: فلم يذكر الإمام الثوري التَشَهُد بعد سَجْدَتيّ السَهو، وأَخرجهُ الإمامُ أحمد في المُسنَد، والطَبراني في الكبير كِلاهُما عن عبدالرازاق عنهُ بهِ.

ثانيًا: خالفهُ بهِ أيضًا أُشيمُ بنُ بَشير الوَاسِطِيّ فرواهُ عن أبن أبي ليلى عَنْ الشَعْبيّ بنحوِ حَديثِ الثَوريّ أخرجَ حديثهُ الترمذي في الجامِع فقالَ حَدَثَنا أَحْمَد بْن منيع حدثنا أُشيمٌ قالَ اَخبَرنا ابنُ أبي ليلى به قالَ عَقِبَهُ حديث المُغيرة بنُ شُعْبَة قد رُوي عن غيرِ وجهٍ عن المُغيرةُ بنُ شُعبة وقد تَكلّمَ بعضُ الأئمة على ابن أبي ليلى من قبلَ حفظهِ فقالَ أحمد (لا يُحتجُ بحديث ابن أبي ليلى) وقالَ مُحمد بن أبي إسماعيل (ابنُ ليلى صَدوقٌ ولا أروي عنهُ لأنهُ لا يُدري صحيحُ حديثهِ من سقيمهِ،وكُلُ من كانَ مثلُ هذا فلا أروي عنهُ شيئا) انتهى ما نقلهُ الإمامُ التِرمذيُ عن الإمام البُخاري وعَن أحمد.

ثالثًا: خالفهُ أيضًا الإمامُ أبوأُسامة، حَمّادُ ابنُ أُسامة فرواهُ عن ابن أبي ليلى عن الشعبيّ بهِ بنحوِ حديثِ الثوريّ أيضا، خرّجهُ البيهقي في الكُبرى عن طريقِ أبي الأزهر عن اُسامة به، فَتَتابَعوا جميعًا في روايتهم عن مُحَمَد ابن أبي ليلى لِحَديثِ المُغيرة ولم يَذكروا التَشَهُد بعد سجدتي السَهّوِ، لِذا حَمّلَ بعضُ الحُفاظِ كالبيهقي فيما مَضى وتَبِعهُ النَوويُّ في الخُلاصة مُحَمَد ابن أبي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابن أبي ليلى حَملوهُ الخطأَ، لكنَّ الذي يظهر أنَّ الحديثِ على عِمرانَ أولى مِنَ الحملِ على ابن أبي ليلى لأنَّ عِمرانَ كما مَرّ لا يُحتَملُ تَفردهُ فكيفَ بِمُخالَفتهِ لِمَن هو أعلى منهُ منزلةً وأوثَقُ منه، ومما يدلُ على أنَّ ابن أبي ليلى حَفِظَ حديث المُغيرة، وإنهُ توبع عليه من علي بن مالِك الرواسبيّ، قالَ سمعتُ عامرًا يُحدثُ أن المُغيرةُ بن شُعبة يُحدثُ أنهُ سها في السجدتين فَسَبّح بهِ فأستتمَ قائمًا حتى صلى أربعًا ثُمَّ سجدَ سَجدتي السَهو وقالَ هكذا فعلَ رسول الله- صلى الله عليه وَسَلم- أخرجهُ الطَحاوي في شرحِ معاني الآثار، قالَ حَدَّثَنَا أبو بَكرةَ، قالَ حَدَّثَنَا بَكرُ بنُ بكّارٍ عنهُ بهِ .

قُلتُ: عليُّ بنُ مالك الرَواسبي قال فيه وقالَ الإمامُ بنُ معين حديثهُ ليس بشيء، وقال أبوحاتمٍ شيخٌ ليس بالقويّ هو مثل عبدالأعلى بن أبي المُساوِر وتُوبعَ أيضًا من المغيرة بن شُبيل عن قاسمٍ ابن أبي حازم عن المغيرة بن شعبةَ به بنحو حديث عليّ بن مالِك أخرجهُ الطحاوي في شرحِ معاني الآثار من طريقِ ابنِ عامرٍ عن إبراهيم بن طهمان عن المغيرة بن شُبيل به.

قُلتُ: وهذا إسنادٌ صحيحٌ، إذًا فالتَشَهّدُ بَعد سجدتي السَهوِ ليسَ محفوظًا ولا معروفًا من حديثِ المغيرة بن شُعبة لذا وصفَ الحافِظُ بن المنذر خبرَ ابن مسعود والمغيرة بن شعبة- رضي الله تعالى عنهما- الذي فيهِ ذكرُ التشهُدِ بعد سجدتي السهوِ بقولهِ (وأما الخبران الآخران فغيرُ ثابتين) انتهى من الأوسط.

وضَعّفهُ أيضًا الحافِظُ النووي في خُلاصة الأحكام فقالَ (حديثُ ضعيف)

الحديثُ الثالِث :حديثُ عِمرانَ بن حُصين عَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ رضي الله تعالى عنه قال: أَنَّ النَّبِيَّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلّم... الحديثُ أخرجهُ أبوداود في سُننه بهذا اللفظ والترمذيُّ في الجامِع وابن الجارود في المُنتقى والطوسي في مُستخرجهِ على جامع الترمذي وابنُ الخُزيمةَ في الصحيح وابنُ المُنذر في الأوسط وابنُ حِبانَ في الصحيح والحاكِمُ في المُستدرَك، ومن طريق أبي داود البيهقي في الكُبرى ، والبَغوي في شرح السُنة ومن طريق الترمذي، ابنُ الجوزي في التحقيق، كُلُهم من طريق أشعَث بن عبدالملك الحُمراني عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبُي قِلَابَةَ عَن أبي المُهلب بهِ، والحديثُ سَكتَ عنهُ أبوداود وقال الترمذي ( حديثٌ حسنٌ غريبٌ صحيح) وعند بعضِهِم كالإمام ابن تيمية نقلَ عن الترمذي أنهُ قالَ(حديثٌ حسنٌ غريبٌ).

وقالَ ابن المُنذِر قبل أن يذكرَ الحديث (أما التَشَهُد في سَجدتي السهو فَقَد رُويَّ فيهِ أخبارٌ ثلاثة،فَتَكَلَم أهلُ العلِمِ فيها كلها، وأَحسَنُها إسنادًا حديثُ عِمرانَ بن حُصين)، ثُمَّ ذكرهُ وقال عقبه ( وقد تَكَلّم في هذا الحديث بعض أصحابنا،وقالَ روى هذا الحديث غيرُ واحد من الثقات غيرَ خالِدٍ فلم يَقُل فيهِ أحدٌ ( ثُمَّ تَشَهَد) أي بعد السَجدتين إلى أنَّ قالَ( والتَشَهُد وإن ثَبَتَ خبرُ عِمران بن حصين فالواجِب أن يتشَهَدَ من سَجدتي السَهو، فإن لم يثبُت لم يجب ذلك ولا أحسِبُ يثبتُ) انتهى.

وقالَ الإمامُ ابنُ حِبان -رحمهُ الله- عقبه (تفَرّدَ بهِ الأنصاريُّ ما روى ابنُ سيرين عن خَالِدِ غير هذا الحديث، وخالِدٌ تلميذه.

وقالَ الحاكِم صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يُخرِجا.

وأَقَرّهُ الذهبيُّ.

قُلتُ: تَعَقبَ الحافِظُ ابنُ عبدالهادي الحاكِمَ- رحمهُ الله- ومن تَبِعهُ عليهِ بقولهِ في تنقيح التحقيق وأشعثُ هوابن عبدالملك الحُمراني، قالَ يحيَّ القَطان هُوَ عِندي ثِقةٌ مأمون، وَوَثقهُ يَحيَّ والنَسَائي وغيرهما ولم يُخرجا لهُ في الصحيحين.

قالَ البيهقي تَفردَ به الأشعث الحُمراني وقد رواهُ شُعبة وَوُهَيبٌ وابنُ عليّةَ وهُشيّم وحَمّاد بن زيد ويَزيد ابنُ زُريع وغيرهُم عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ لم يذكُر أحدٌ مِنهُم ما ذَكَرَ أشعث عن مُحمدٍ عنهُ، ورواهُ أيوب عَنْ مُحَمدٍ قال اُخبرتُ عن عِمران فذَكَر(السَلامَ دُونَ التَشَهُد).

وفي روايةِ أُشَيم ذكرُ (التَشَهُد قبلَ السَجْدَتَين) وذلك يدلُ على خطأ أشعث في ما رواه، ثُمَّ ذَكَرَ حديثِ اُشيمٍ وفيهِ (فَقَامَ فَصلى ثُمَّ تَشَهَدَ فَسَلّمَ وَسَجَدَ سَجْدَتيّ السَهّوِ ثُمَّ سَلّم) قالَ البيهقيُّ (هذا هُوَ الصَحيحُ بهذا اللفظ) انتهى.

وَقَالَ الإمامُ شيخُ الإسلام ابنُ تيمةَ- رحمهُ الله- كما في مجموعِ الفَتاوى- لابنِ قَاسِم بعد أَن ذَكرهُ وَنقَلَ كلام الترمذي قَالَ:(قُلتُ كونهُ غريبًا يقتضي أنهُ لا مُتابِعَ لمِن رواه بل قد انفَرَدَ بهِ وهذا يُوهي هذا الحديث في مثلِ هذا، فإنَّ رَسولَ الله-صلى الله عليهِ وسلم- قَدْ سَجَدَ السَلامِ بعدَ غيّرَ مَرّة، ثُمّ ذَكرَ عددًا مِنَ الأحاديث في ذلكَ ثُمَّ قال( وليس في شيءٍ مِن أقوالهِ أَمرٌ بالتَشهُدِ بعد السجود ولا في الأحاديث الصحيحة المُتَلَقاةِ بالقبول أنهُ يَتَشَهَدُ بعد السجود، بل هذا التَشَهُد بعدَ السَجدتينِ عَملٌ طَويلٌ بقدرِ السَجدتين أو أطوّل، ومثلُ هذا مما يُحفظُ ويُضبَط وتتوفر الهِمم والدواعي على نقلهِ، فلو كان قد تَشَهّدَ لذكر ذلك من ذكر أنهُ سَجَد، وكانَ الداعي إلى ذكرِ ذلك أقوى مِنَ الداعي لذكرِ السلام، وذكرِ التكبيرِ عند الخفضِ والرفع فإنَّ هذه أقوالٌ خفيفة،والتشهد عمل طويل فكيف ينقلون هذا ولا ينقلون هذا؟ إلى أن قال رحمه الله: (ثم الذي في الصحيح من حديث عمران ليس فيه ذكر التَّشَهُّد ، فانفراد واحد في مثل هذه الزيادة التي تتوفر الهمم والدواعي على نقلها يُضعف أمرها أو يضعّف أمرها ثم هذا المُنفَرِدُ بها يجب أن يُنظر، لو انفرد بحديث هل يثبت أنه شريعة للمسلمين) انتهى كلامه رحمه الله.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وَضَعّفهُ البيهقي وابن عبد البر وغيرهما ،وَوَهَمّوا رواية أشعثٍ لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين في حديث عمران ليس فيه ذكر التَّشَهُّد وروى السَرّاج من طريق سلمة عن ابن علقمة أيضًا في هذه القصة: قلت لابن سيرين: (فالتَّشَهُّد)، قال: (لم أسمع في التَّشَهُّد شيئًا).

وكذا المحفوظ عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بهذا الإسناد في حديث عمران ليس فيه ذكر تشهد كما أخرجهُ مُسلمٌ، فصارت زيادة أَشْعَثٍ شاذّة، ولهذا قال ابن المنذر (لا أَحسَبُ التَّشَهُّد في سُجودِ السَهّوِ يَثبُت)، انتهى من فتح الباري.

قُلتُ: تقدم قول الحافظ ابن حبان من أن الأنصاري محمد بن عبدالله تفرد به وهو بهذا يخالف من قال بِتَفَرُدِ الأشعث به، ويؤيد قول ابن حبان ما قاله الحافظ ابن رجبٍ في فتح الباري معلقًا على تصحيح الحاكم وغيره بقوله، وضعفه آخرون وقالوا (ذكر التَّشَهُّد فيه غير محفوظ) منهم محمد بن يحيى الذهلي والبيهقي، ونَسَب الوهم إلى أشعثٍ، وأشعث هو ابن عبد الملك الحمراني ثقة، وعندي - يقول الحافظ ابن رجب- (أن نسبة الوهم إلى الأنصاري فيه أقرب، وليس هو بذاك المتقن جدًا في حفظه) وقد غمزه ابن معين وغيره، ويدل على هذا أن يحيى القطان رواه عن أشعث عن ابن سيرين عن خالد عن أبي قلابة عن المهلب عن عمران في (السَلامِ) خاصة أي بدون ذكر (التَّشَهُّد) كما رواه عنه الإمام أحمد ذكره ابنه عبد الله عنه في مسائله، فهذه رواية يحيى القطان مع جلالته وحفظه واتقانه عن أشعث إنما فيها ذكر السلام فقط، وخرّجه النسائي عن محمد بن يحيى بن عبدالله عن الأنصاري عن أشعث ولم يذكر (التَّشَهُّد) ، فإما أن يكون الأنصاري اختُلف عليه في ذكره وهو دليل على أنه لم يضبطه، وإما أن يكون النسائي ترك ذكر التَّشَهُّد من عمد لأنه استنكره. وقد روى معتمر بن سليمان وهشيم عن خَالِدٍ الْحَذَّاءِ حديث عمران بن حصين وذكروا أن النبي –صلى الله عليه وسلم- صلى ركعة ثم تشهد ثم سلم ثم سجد سجدتي السهو ثم سلم، فهذا هو الصحيح في حديث عمران ذِكرُ التَّشَهُّد في الركعة المقضية لا في سجدتي السهو، وأشار إلى ذلك البيهقي)، انتهى كلام الإمام ابن رجب رحمه الله.

قُلتُ: ومما يدل على أن الحديث عن ابن سيرين لا يحفظ فيه ذكر التَّشَهُّد بعد سجدتي السهو ما ذكره الحافظ ابن حجر آنفًا مما رواه السراج من نفي ابن سيرين سماع شيء في التَّشَهُّد.

وقد استدل الحافظ ابن رجب ابنِ الحنبلي -رحمه الله- في فتح الباري بهذه الرواية على أن رواية أشعث عنه التي فيها التَّشَهُّد لا أصل لها لنفي ابن سيرين أن يكون سمع في التَّشَهُّد شيئًا.

والحفاظ الذين رووا عن خالدٍ ولم يذكروا التَّشَهُّد كُثرٌ منهم الإمام ابن عُلَيّه أخرج أحاديثه مسلم في الصحيح.

ثانيًا الإمام عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي أخرج أحاديثه أيضًا مسلمٌ في الصحيح.

ثالثًا الإمام ابن زريع أخرج أحاديثه أبو داوود والنسائي في المُجتبى، والبيهقي في الكُبرى، كلهم عن يزيد بن زريع به، وسكت عنه أبو داوود.

رابعًا الإمام أسلمة بن محمد أخرج أحاديثه أبو داوود في السنن من طريق مُسَدَدٍ، قال حَدَّثَنَا مَسْلًمة بنُ مُحَمَّد بهِ وسَكَتَ عَنهُ أَبو دَاوود.

خامسًا الإمام شُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ أخرج أحاديثه الطيالسي في المسند والطحاوي في شرح معاني الآثار كلاهما عن شُعْبَةَ بهِ.

سادسًا الإمام حَمَّاد بْن زَيْد أخرجَ حَديثَهُ ابن خزيمة في الصحيح، قال حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ قال حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ به، وصححه.

سابعًا الإمام حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أخرج حَديثهُ الطحاوي في شرح معاني الآثار قال حدثنا أَبُو بَكْرَةَ قَال حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرٍ، قَالَ أَخْبَرنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قال أخبرنا خَالِد به.

ثامنًا الإمام وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ أخرج حَديثهُ الطحاوي في شرح معاني الآثار بإسنادين أحدهما عن الخصيب بن ناصح والثاني عن مُعَلى بن أَسَدٍ كلاهما عن وُهَيْبٌ به واللفظ الثاني أتم

تاسعًا هشيم الْوَاسِطِيُّ أخرج أحاديثه البيهقي في الكبرى من طريق يوسف بن يعقوب قال حدثنا الربيع قال حدثنا هشيم به وصححه.

عاشرًا خَالِدٌ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْوَاسِطِيُّ، أخرج أحاديثه ابن حبان في الصحيح من طريق وَهْبِ بْنِ بَقِيَّةَ قال أخبرنا خَالِد عنه به وصححه.

قُلتُ: فَهؤلاءِ عَشْرَةٌ من أصحاب خَالِدٍ الْحَذَّاءِ لم يذكروا التشهد ودل ذلك على أن زيادة التَّشَهُّد بعد سجدتي السهو شاذة مستنكرة.

قال العلامة الألباني رحمه الله (حديث ضعيف شاذ)، وقال في الإرواء مرة (شاذ).

الحديث الرابع وهو الحديث الأخير حديث عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُا- ((قالت شكوت إلى رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السَهو في الصَلاةِ، قَالَ: إذَا صَلَيْتَ فَرَأَيْت أَنَّكَ قَد أَتَمَمْت صَلَاتَك وَأَنْتِ في شكٍ فَتَشَهَّدِي ، وَانْصَرِفِي ، ثُمَّ اسْجُدِي سَجْدَتَيْنِ وَأَنْتِ قَاعِدَةٌ ، ثُمَّ تَشَهَّدِي بَيْنَهُمَا وَانْصَرِفِي)).

أخرج الحديث الطبراني في الأوسط من طريق غَسَّانُ بْنُ الرَّبِيعِ عن مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ بهِ، وقَال :(لا يُروى هذا الحديثُ عَنْ عَائِشَةَ إلا بهذا الإسناد من حديث مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ) قال الهيثمي في المَجْمِع (قُلتُ هكذا رواه الطبراني في الأوسط وقال، لا يُروى عَنْ عَائِشَةَ إلا بهذا الإِسناد، فلا أدري أهو هكذا في الأصل أو النسخة سقيمة والله أعلم). وفيهِ مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ ، وهو متروك الحديثِ نُسِب إلى الوَضع. انتهى.

الشيخ عبيد : أعوذ بالله.

الشيخ عبدالله :قال الحافظ ابن رجب رحمه في فتح الباري لهُ (إسْنَادُه ُسَاقِطٌ).

 وقال العلامة الشوكاني في النيل (في إسناده مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ ، عن أبيه وهو ضَعيفٌ وَقَد نُسِبَ إلى الوَضع).

قُلتُ سبب سقوط اسناده مُوسَى ابْنُ مُطَيْرٍ الكُوفي، قال الإمام بن مَعِين (كذّاب)، وقال مرة (لم يَكُن بِثِقّة).

 وقَالَ عَبْدُ الرَحمَنِ بن الحَكَم بنُ بَشير (تَرَكَ الناسُ حَديثه).

وقَالَ أَبُو حَاتِم وَالنَسَائِي وَجماعة (مَتروكُ الحَديِث)، زاد أبو حَاتِمٍ (ذَاهِبُ الحَديث). 

وقَالَ أَبُو زُرعَة(لا يُقرَأُ حَديثُ مُوسَى ابْنُ مُطَيْرٍ وهو الإِسكِيف، كُوفيٌ ضَعيف).

 وقال النَسَائيُّ مَرّة (مُنكَرُ الحَديث)، وَضَعَفه الدارقطني وقال ابن حبان (صَاحِبُ عَجائِب وَمَنَاكِير، لا يَشُكُ سَامِعُها أَنَها مَوضُوعَة). 

وَقَالَ أبو نُعَيم (رَوى عَنْ أبَيهِ عَنْ أَبي هُريرة أَحادِيث مُنْكَرَة)، وَقَالَ ابنُ عَدِيٍ (لَه غَير مَا ذَكَرتُ مِن الأحاديث قليلٌ، وعامةُ ما يرويهِ لا يتابعه الثقات عليه)، وقال الذهبي (وَاهِن).

 فمن كان أمره كذلك فحديثه ساقط بمرة، كما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله. وفي الإسناد أيضًا والده، والد مُوسَى وَهوَ مُطَيْرٍ بنُ أَبي خَالِد، قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (سَأَلتُ أبَا زُرعَةَ عَنهُ فَقالَ ضَعيفُ الحَديثِ)، وسأل أيضًا أباه عنه فقال(متروك الحديث).

 إيرادٌ وَجوابُهُ: قُلتٌ: لعل قائلًا يقول. قال الحافظ ابن حجر في الفتح بعد كلامه عن حديث أشعث (لكن قد ورد التشهد في سجود السهو عن ابن مسعود عند أبي داوود والنسائي وعن المغيرة عند البيهقي وفي اسنادهما ضعف). فقد يقال إن الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، قال العلائي (وليس ذلك ببعيد)، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

قُلتُ: فالجواب الذي يظهر بعد الكلام عن علل الأحاديث الأربعة على ما تَقَدّمَ بَياتهُ منها إثنان أشارَ إليهِما الحافِظُ بن حَجَر، وآخران لم يُشِر إليهِما - رحمهُ الله- وعُمومًا فالأربعةُ هي حديثُ ابن مَسْعُود، حَديثُ المُغيِرَة، حَديثُ عِمْرانَ بن حُصين، حديثُ عَائِشَة - رَضيَّ اللهُ تَعالى عنهم جميعًا، وظهرَ مِن دِراسة هذه الأحاديث جميعًا ما يلي:

أولًا: الحديثُ الأول أخطأَ وَوَهِمَ مَنْ رِفعهُ، والصواب وقفهُ على ابنِ مَسعود.

الثاني: المحفوظ المرفوع مِنْ حَديثِ المُغيرة ليسَ فيهِ ذكرُ التَشهُد بعدَ السجدتين، وتَفرَدَ بذكرها من لا يُحتَملُ تَفرُده وهو عِمران بنِ محمد بن عبدالرحمن بنِ أبي ليلى، وتَفرُدهُ يُعتبَرُ مُنكرًا وحَكّمَ بعضُ الحُفاظ على الحديث بعَدمِ الثبوتُ كما تَقَدم.

والثالِث: من الأحاديث وَهِم وأَخطأَ فيهِ من ذكر التشهد وَشَذّ بذلك لمُخالفتهِ الحُفّاظ الذينَ لم يذكروا التشهد في حديثِ عِمران.

والحديثُ الرابِع: حديثٌ ساقِطُ الإسنادِ لِتَفردِ مُوسَى بنُ مُطَيْرٍ بهِ فلا عِبرَةَ بهِ،وضعفِ أبيه، فظهرَ أنها باجتماعها لا ترتقي إلى درجة الحديثِ الحسن، إذ الخَطأَ لا يُقوي الخَطأَ والشاذُّ لا يتقوى ومثلهُ المُنكرُ والساقِط فَطُرُقُها كُلُها معلولةٌ بعدمِ توافر صفات الإعتضاد التي يُمكن أن يُقالَ بالحُسنِ عند وجودها.

قالَ الحافِظُ بن عمر بن الصَلاح (ليسَ كُلُ ضَعفٍ في الحديث يزولُ بمجيئهِ من وجوه، بل ذلكَ يتفاوتُ فمنهُ ضعفٌ يُزيلهُ ذلك بأن يكونَ ضعفهُ ناشيئًا من ضعفِ حفظ راويه مع كونهِ من أهلِ الصِدقِ والديانة، فإذا رأينا ما رواهُ جاء من وجهِ آخر عرفنا أنهُ مما قد حفظهُ ولم يختلَ بهِ ضبطهُ إلى أن قال ومن ذلك ضعفٌ لا يزولُ بنحوِ ذلك لقوة الضعف وتقاعُد الجابِرِ عن جبرهِ ومقاومتهِ، وذلك كالصعف الذي ينشأُ من كون الراوي مُتهمًا بالكذب أو كونِ الحديثِ شاذً،وهذه جملةٌ تفاصيلُها تُدركُ بالمُباشَرةِ والبحث، فاعلم ذلك، فإنهُمن النفائس العزيزة) انتهى كلامهُ رحمهُ الله.

قالَ الإمام الحافظُ ابن عبدالبرّ في الإستذكار (وأما التشهد في سجدتي السهوِ فلا أحفظهُ من وجهٍ صحيح عن النبي - صلى الله عليه وعلى آلهِ وسلم.

وقال الإمامُ حافظ ابن رجبٍ - رحمهُ اللهُ- في كتابهِ فتح الباري( قَد رويَّ عن النبي - صلى الله عليهِ وسلم- التشهُد في سجدتي السهو من حديثِ ابنِ مسعود، وذكرَ طُرقًا، ثُم قالَ ورُويّ من وجوهٍ أُخَر أي أحاديثَ أُخرى لا يثبتُ منها شيء).

قُلتُ: هذا الكلامُ منهُ -رحمهُ الله- إشارةٌ إلى المروياتُ الأُخرى في التشهد من سجدتي السهو فتأمل، فقهُ أحاديث الباب باختصار -شيخنا وفقكم الله- نقرأَ؟

الشيخ عبيد: تفضل.

الشيخ عبدالله: قالَ الإمامُ الحافظ المُنذِر في الإشراف على مذاهب العلماء واختلفوا في التشهدِ في سجدتي السهو، فقالت طائفةٌ ليس فيهِ تشهدٌ ولا تسليم.

كذلك كذلك قال أَنَسْ ابنُ مَالِكُ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وعَطَاءِ وقالَ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ ويزيد بن عبدالله ابن قُسيط والنَخعي فيهما تشهدٌ ورويَّ ذلك عن ابنِ مسعود.

وفيه قول ثالث فيه وهو أنَّ فيهما تَشهُدًا وتَسليمًا رُويَّ ذلك عن ابنِ مسعود والنخعي وقتادة والحكمِ وحمّاد واستَحسَنَ ذلك الليث بنُ سَعد ،وبهِ قالَ الثوري والأوزاعي والشفعي وأصحابُ الرأي.

وفيهِ قولٌ رابِع وهو أن يُسلمَ فيهما ولا يَتَشَهد كذلك قالَ ابنُ سيرين.

وفيهِ قولٌ خامِس وهو إن شاءَ تَشَهَدّ وسلّم،وإن شاءَ لم يُسلِّم، حُكيَّ هذا القولُ عن عطاء.

وفيهِ قولٌ سادس قالهُ الإمام بن حنبل، قالَ إن سَجَدَ قبلَ السلامِ لم يَتَشَهَد،وإنّ سَجَد بعد السلامِ تَشَهَد.

قالَ أبوبكر أي الإمام ابن المُنذر (التسليم من سجدتي السهوِ ثابتٌ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من غير وجهٍ، وَثَبَتَ عنهُ أنهُ كَبّرَ فيهما أربعةً تكبيرات، وقد سَلّم النبي- صلى الله عليهِ وسلم- منهما، وفي ثبوتِ التشهُدِ عن النبي- صلى الله عليه وسلم- فيهما نظرٌ)انتهى.

وقالَ في كتابهِ الأوسَط بعدَ حِكايةِ الأقوال (أما التسليمُ من سجدتي السهوِ فواجِبٌ لأنَّ النبي- صلى اللهُ عليهِ وسلم- سلّمَ فيهما، والتَشَهُدُ إن ثَبَتَ خبرُ عمرانُ بنُ حُصين فالواجِبُ أن يتَشَهَدَ من سجدتي السهوِ، فإن لم يثبُت لم يَجِب ولا أحسِبُ يثبُتُ) انتهى كلامهُ رحمهُ الله.

قُلتُ: لم ينص الإمام ابن المُنْذر على مذهب المالكية في هذه المسألة فأزيدهُ تتميمًا للفائدة فأقول:

المسألةُ عندهُم فيها قَولان:

قولٌ لهم فيهما تَشَهُدٌ وَتَسليم.

وقولٌ تَسليم بِلا تَشَهُدٌ.

ويرى العلاّمة ابن حزمِ من الظاهرية أن الأفضلَ التَشَهُد بعدهما والسلامُ منهما، وإن اقتصّرَ على السجدتينِ دونَ شيءٍ من ذلك أجزأه، واختارَ القول الرابع من الأقوال التي حُكِيَت آنِفًا وهو أن يُسلِمَ فيهما ولا تَشَهُدَ عليه كُلٌ مِنْ الإمامُ ابن المُنذِر- رحمهُ الله- في كتابيهِ الأوسَط والإشراف والإمام ابنُ عبدالبرّ في التمهيدِ والإستذكار،وشيخ الإسلام ابنُ تيمية- رحمهُ الله- كما في مجموعِ فتاويه لابنِ قاسِم وأطالَ -رحمهُ الله- أعني الإمام ابن تيمية- في هذا إطالَةً جدًا وانتصرَ لهذا القولِبقولٍ قويٍ جدًا.

وَممن قالهُ أيضًا -ممن قالَ بهذا القول-: اللجنةُ الدائمةُ للإفتاء برئاسة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، واختارهُ أيضًا شيخنا الإمام هنا العلامة محمد بن عثيمين- رحمه الله- في فتح ذي الجلال والإكرام، وهو الذي صححه بعض علماء الشافعية كالشيرازي والحافظ النووي حيث قالَ في المجموع: وفي التَّشَهُّد وجهان أصحهما لا يتَّشَهُّد؛ لأنه لم يصحّ فيهِ عن النبي- صلى الله عليه وآلهِ وسلم- شيء) انتهى.

قُلتُ: وهذا القول هو الراجح لعدم ثبوت الأحاديث فيها على ما تقدم بيانه، وإليهِ مالَ الحافظ ابن رجب- رحمه الله- في كتابه فتح الباري حيث قال مقررًا عدم ثبوت الأحاديث فيها، قال الجوزجاني: لا نعلم في شيءٍ من فعلِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في سجدتي السهو قبلَ السلامِ وبعدهُ أنه تَشَهّد بعدهما، وقال أيضًا ليس في التَّشَهُّد في سجودِ السَهوِ سُنّة قائمة تُتّبَع.

انتهى والله أعلم وَفَقَ اللهُ الجميع لما فيه رضاه، وصَلَّى اللَّه وَسَلَم وبارك على رسول الله وعَلَى آله وصحبه وَسَلَّمَ ،وأعتذر  عن الإطالة. 

 

الشيخ عبيد: أحسنتم، أحسنتم بارك الله فيك.

 ظهر الآن أن التَّشَهُّد بعد سجود السهو غير ثابت عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليفهم الحضور والمستمعون من طلاب العلم وطالباته والحمدلله، هنا بارك الله فيكم عندي أمران اختم بهما الحديث.

 

الأول: أُضيف على ما ذَكر خطيبُنا وهوأخونا وتلميذنا وصاحبنا الشيخ عبدالواحد بن هادي بن أحمد المدخلي  من أنَّ الله اختص في الدُنيا بالكلامِ موسى، أضيف أن الله -سبحانه وتعالى- كلّمَ غيره، لكن من قال من أهل العلم من أن موسى مُختَص، فلعلهم يريدون الأكثر.

فعن أَبُي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أكَانَ آدَمُ نَبِيًّا ؟قَالَ: ((نَعَم مُكَلَم)) الحديث، وَكَلَم محمدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حينَ عُرِجَ به، كلمهُ بما شاء -سبحانهُ وتعال- ومن ذلك فرض الصلوات، والقصة معروفة.

والأمر الثاني الذي أُنبهُ إليه: سُئِلتُ في جَلسة من هذه الجلسات التي أسأل الله أن تكونَ مُباركة عليَّ وعليكم وثقيلة في موازيننا يوم نلقاه عَنْ حديثِ عَلىَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – "أنهُ في التَشَهُد يقول للَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ" إلى آخره الحديث، فَقَد ذَهُلت وقلت أنه في الصلاة، أنه في صلاة الليل أونحو هذا ، والصواب أنهُ في الصلاة المكتوبة وكنت قد قر رتُ هذا وحررتُهُ في كتابي إمداد المُسلِم أسأل الله أن يُتمّه ويتقبله ويثقل به موازيننا وَمَن أعاننا عليه وكتبه لنا يومَ نلقاه قررت أن هذا ليس خاصًا بصلاة الليل بل هوَ في المكتوبه كما في رواية الدارقطني من طريق شيخه مُبشِر ابنِ عبدالله.

و الجلسة قد طالت ونختمها الآن، ونودعكم وأنبه إلى أنَّ الجلسة القادمة تكون قِراءَة حديث ((إنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلنَا, قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا))، يحُضر الشيخ عبدالواحِد ويقرأَ أو غيرهُ من أبناءنا طُلاب العلِم، ثم نستنبط ما نراه مهمًا من فوائده، ثم تكون الأسئلة.

وبهذا القدر من الحديث، نكتفي لضيقِ الوقت.

وصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نبينا محمد وَعَلى آلهِ وَصَحبهِ.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الشيخ: 
عبيد بن عبد الله الجابري